فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 1890

مثلًا: الطيران في الهواء، العقل لا يمنع أن يجعل الله عز وجل في العبد قدرة على الطيران، ويجعل له جناحين كالطير مثلًا، يمنع العقل؟ لا يمنع. لكن هل جاء به الشرع؟ لم يأتِ به الشرع.

إذًا: البحث في هذه المسألة من جهتين:

الأولى: من جهة الجواز العقلي: يجوز أو لا يجوز؟ بقطع النظر عن كونه واقعًا شرعًا أم لا؟

الجهة الثانية: هل هو واقع شرعًا أم لا؟ وهل وقع أم لا؟

وهذا إنما يكون عند من جوّزه، يعني: من منع عقلًا لا شك أنه يمتنع شرعًا؛ لأن الشرع لا يأتي بما يمنعه العقل، ومن جوّزه عقلًا حينئذٍ وقع الخلاف بينهم: هل هو واقعٌ شرعًا أم لا؟

قال المصنف هنا: (فَيَصِحُّ بِمُحَالٍ لِغَيْرِهِ لاَ لِذَاتِهِ وَعَادَةً) .

يعني: من الأقسام الأربعة السابقة: ما الذي يصح التكليف به وما الذي لا يصح؟

قال بجملة واحدة: (فَيَصِحُّ) الفاء فصيحة.

{فَيَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ بِمُحَالٍ لِغَيْرِهِ} .

وهذا حكى عليه الإجماع، المصنف هنا حكى عليه الإجماع أنه يجوز أن يكلف الله تعالى العبد بالمحال، لكن لا لذاته وإنما لغيره.

قال -كمثال-: {كَتَكْلِيفِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالإِيمَانِ؛ وَذَلِكَ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَبَعَثَ الرُّسُلَ بِطَلَبِ الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَعَلِمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ لاَ يُؤْمِنُ} .

هذا محال لغيره لا لذاته، هل يُتصور الإيمان من الكافر؟ نعم يتصور، لكن من علم الله تعالى أنه يموت على كفره هنا صار محالًا لغيره، لماذا؟ لأنه تعلق به علم الله تعالى، وعلم الله تعالى لا يتخلف.

حينئذٍ إذا مات على كفره، كإيمان أبي جهل مثلًا، نقول: أمره الله عز وجل بالإيمان، لكن علم سبحانه أنه لا يؤمن.

حينئذٍ نقول: هذا محال لغيره لا لذاته، هل هذا جائز؟

قال: نعم. يجوز التكليف به بالإجماع، لماذا؟ لأن السبب هنا من جهة كون الباري جل وعلا علم بما العبادُ فاعلون وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وجعل لهم قدرةً، وجعل لهم مشيئةً، وأمرهم وترك لهم الاختيار. لكن سابق علمه شيء، وكتابته شيء، وأفعال العباد شيءٌ آخر.

كونها مخلوقة لا يلزم ألا تقع إلا بإرادة الله تعالى المحضة وليس لهم إرادة، أو بمشيئة الباري جل وعلا المحضة وليس لهم مشيئة لا، وإنما جعل لهم مشيئة وقدرة تابعتان لمشيئة الله تعالى وقدرته.

إذًا: خلقه وأمره بالإيمان، وعلم أنه سيموت على كفره.

إذا علم أنه سيموت على كفره، إذًا: لماذا أمره بالإيمان؟ نقول: كلّفه بالإيمان ابتداءً، وأما مسألة علمه بموته على كفره هذه مسألة منفكة، وليست هي عين التكليف، فالتكليف هو الخطاب بأمرٍ أو نهي، وقد أمره ونهاه، امتثل أو لم يمتثل، أما كون الباري يعلم هذا يؤمن وهذا لا يؤمن، العلم شيء آخر منفصل، هذا يسمى ماذا؟ التكليف بالمحال وهو بالإجماع كما قال المصنف أنه يصح التكليف به.

قال: (فَيَصِحُّ بِمُحَالٍ لِغَيْرِهِ لاَ لِذَاتِهِ) ما هو لذاته؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت