(يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ) التوصل هنا جاء بصيغة التفعُّل، فيدل على أن فيه شيئًا من الكلفة كالتعلم فيه شيء من الكلفة، أي: الوصول بكلفة، فالتوصل تفعل ومعناه التكلف، يعني: أحد المعاني التي يأتي لها صيغة تفعُّل هو التكلف أي: معاناة الشيء، أي: أن الفاعل يعاني الفعل ليحصل، وهذا متحقق في كل دليل، وإن لم يشعر به الإنسان؛ إذ لا بد من ملاحظة الصغرى والكبرى ووجه الدلالة الذي هو الحد الأوسط، وملاحظة الترتيب الخاص وذلك معاناة بلا شبهة، وإن اختلفت بالقوة والضعف في أفراد الأدلة.
إذًا الدليل: (ما يمكن التوصل) فيه شيء من الكلفة وهذه الكلفة تختلف باختلاف الأشخاص والأنظار.
وعلى هذا فالدليل عند المناطقة -والأصل عندهم البحث-: مركب، وعند الأصوليين: قيل مفرد وقيل مركب، لكن المشهور أنه مفرد.
فالدليل عند المناطقة مركب؛ إذ هو اسم لمجموع المقدمتين الصغرى والكبرى، وأما عند الأصوليين: فالشيء الذي يتوصل بالنظر في حاله ووصفه إلى المطلوب، فهو مفرد، فمثلًا قولهم: العالَم حادث، وكل حادث له صانع، (العالم حادث) هذه مقدمة صغرى، وكل حادث له صانع، هذه مقدمة كبرى، اسم المقدمتين دليل عند المناطقة، وأما عند الأصوليين فلا.
(مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ) وهو كلمة (حادث) يتوصل بها إلى النتيجة، حينئذٍ نقول: هذا مفرد وليس بمركب، فالدليل المنطقي هو مجموع هذا القياس، والدليل الأصولي هو العالَم فقط، متوصل بالنظر في وصفه وهو الحدوث إلى لمطلوب، وهو ثبوت الصانع.
(مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ) الباء هذه سببية، (بِصَحِيحِ النَّظَرِ) يعني: بالنظر الصحيح، ففيه تقييد النظر بأنه قد يكون فاسدًا وقد يكون صحيحًا وسيأتي في شرحه.
(بِصَحِيحِ النَّظَرِ) جار ومجرور مُتَعَلِّقٌ بقوله: التَّوَصُّلُ {أَيْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ} احترازًا عن النظر الفاسد {مِنْ بَابِ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ} .
(فِيهِ) الضمير يعود إلى ما {أَيْ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ} وهو متعلق بقوله (النَّظَرِ) ؛ لأنه مصدر.
(فِيهِ) {أَيْ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ} وهو على تقدير مضاف، يعني في حاله ووصفه، ثُم تقدير مضاف آخر يعني مع غيره، فلا بد من هذين التقديرين.
(فِيهِ) أي: في حاله ووصفه مع غيره؛ لأن في (العالَم) يُنظر باعتبار حدوثه باعتبار غيره وهو كون الشيء ليس بحادث، فهو مقابلة للوجود.
(إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ) هذا: مُتَعَلِّقٌ بِالتَّوَصُّلِ (بِصَحِيحِ النَّظَرِ) متعلق بالتوصل وهو تفعُّل مصدر، كذلك: (إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ) متعلق بالتوصل.
(مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ) خبري نسبة إلى الخبر وهو ما يُخبر به، وهو ما تضمن نسبة الخبرية كجملة فعلية أو جملة اسمية يعني: ما يسمى بالتصديق عند المناطقة، والتصديق هو مقابل التصور، التصديق هو الجملة الاسمية أو الجملة الفعلية، ما تضمن نسبة الخبرية، ففيه إخبار عن الموضوع.
{مُتَعَلِّقٌ بِالتَّوَصُّلِ} ، وقوله: (خَبَرِيٍّ) {أَيْ تَصْدِيقِيٍّ} .