فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 1890

قال الشارح: {وَإِنَّمَا قَالُوا"مَا يُمْكِنُ"وَلَمْ يَقُولُوا مَا يُتَوَصَّلُ, لِلإشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ} في حد الدليل وما يصدق عليه أنه الدليل {التَّوَصُّلُ بِالْقُوَّةِ} لا بالفعل {لأِنَّهُ يَكُونُ دَلِيلًا, وَلَوْ لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ} ولو جعلته لا يكون دليلًا إلا بالفعل لانتفى وصف الدلالة عن الدليل إذا لم يُنظر فيه، فلا يسمى دليلًا، وليس الأمر كذلك.

{وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ:"مَا يُمْكِنُ"مَا لاَ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ كَالْمَطْلُوبِ نَفْسِهِ} يعني: النتائج لا تكون مقدمات صغرى ولا كبرى، الشيء لا يُوصل إلى نفسه وإنما يُوصل إليه بغيره.

{فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَيْهِ, أَوْ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ لَكِنْ لاَ بِالنَّظَرِ كَسُلُوكِ طَرِيقٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهَا إِلَى مَطْلُوبِهِ} يعني: الطريق الذي تسلكه الحسي يصل بك إلى المطلوب أو لا؟ يصل بك، لكن بواسطة النظر؟ لا، ليس بواسطة النظر.

إذًا: ليس كل ما تُوصل به إلى غيره يسمى دليلًا هنا في الاصطلاح، وإلا قد يسمى الطريق دليلًا، لكن في الاصطلاح هنا لا بد أن يكون السلوك بالنظر وما لا يكون كذلك فلا يسمى دليلًا.

{وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ"بِصَحِيحِ النَّظَرِ"فَاسِدُهُ} لأن الفاسد لا يمكن التوصل به إلى المطلوب لانتفاء وجه الدلالة عنه، وإن أدى إليه بواسطة اعتقاد صاحبه -الناظر- أو ظنه، كما إذا نظر في العالَم المشهور أن ينظر فيه من جهة الحدوث، لو نظر إليه من جهة البساطة، أو نظر في النار من حيث التسخين فإن البساطة والتسخين ليس من شأنهما أن يُنتقل بهما إلى وجود الصانع والدخان ونحوهما.

{كَكَاذِبِ الْمَادَّةِ فِي اعْتِقَادِ النَّاظِرِ. وَخَرَجَ بِوَصْفِ"الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ"الْمَطْلُوبُ التَّصَوُّرِيُّ} ، المطلوب التصوري يعني: التصورات؛ لأن العلم منقسم إلى نوعين: علم تصور، وعلم تصديق، فالذي يُوصِل إلى التصور هو الحد والتعريف، وليس هو الدليل، والذي يوصل إلى التصديق هو الدليل، فلما قال: إلى مطلوب خبري احترز به عن المطلوب التصوري، فإن الوصول إليه لا يكون بالدليل وإنما يكون بالحد والرسم، ولا يسمى شيء من ذلك دليلًا.

قوله: (إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ) أطلق المصنف هنا على الراجح لكون الدليل لا يختص بالقطعي دون الظني كما زعمه كثير من المتكلمين: بأن الدليل إنما يختص بالقطعيات، وأما الظنيات ولو كان في الكتاب والسنة فيسمى أمارة، وهذا التفريق ليس عليه دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من اللغة، وإنما الدليل هو الدليل، فحينئذٍ ما أوصل إلى قطع فهو دليل، وما أوصل إلى ظن فهو دليل.

ولذلك قال الشارح: {وَيَدْخُلُ فِي الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ مَا يُفِيدُ الْقَطْعَ وَالظَّنَّ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا, وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ} .

لأن مطلوبهم عمل، وهو لا يتوقف على اليقين، ولعدم وجود الدليل على التفرقة بين النوعين لا لغة ولا شرعًا، ونحن نبحث في مصطلحات لتفيد أحكام شرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت