فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 1890

{وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَا أَفَادَ الْقَطْعَ يُسَمَّى دَلِيلًا, وَمَا أَفَادَ الظَّنَّ يُسَمَّى أَمَارَةً} .

فلا يسمى دليلًا إلا ما يفيد العلم، وهو اصطلاح المتكلمين، وعليه جرى الغزالي في سائر مصنفاته ونقله الآمدي عن الأصوليين؛ لأن مطلوبهم يقين، حينئذٍ على هذا يزاد في الحد إلى العلم بالمطلوب الخبري، احترازًا عن المطلوب الخبري الظني، إذا أردنا كذلك فحينئذٍ نقول: إلى العلم بالمطلوب الخبري، والصحيح الأول كما ذكرنا لعدم التفريق بين مسمى الدليل لا لغة ولا شرعًا.

إذًا: هذا هو حد الدليل في اصطلاح علماء الشريعة: (مَا يُمْكِنُ) وعبر بالإمكان احترازًا عن الفعل إذ لا يشترط، (مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ) تفعُّل من الوصول وهو وسيلة (بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ) أي: في هذا الشيء الذي يراد الوصول إليه (إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ) احترازًا عن المطلوب التصوري.

ثم قال: {وَيَحْصُلُ} (عَقِبَهُ عَادَةً) يعني: {يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ الْمُكْتَسَبُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ} (عَقِبَهُ أَيْ -بعده- {عَقِبَ النَّظَرِ} الصحيح(عَادَةً) {أَيْ فِي الْعَادَةِ} .

بمعنى أنه إذا نظر في المقدمات ليصل إلى النتائج، النتائج هي المطلوب الخبري، العالَم متغير وكل متغير حادث، والعالم حادث. العالم حادث هو المطلوب الخبري .. الذي يراد الوصول إليه يعني: النتيجة، فهي مجهولة في الأصل، حينئذٍ إذا نظر وركب الدليل على الوجه الصحيح احترازًا على الوجه الكاذب .. النظر الفاسد، هل يحصل العلم أو لا يحصل .. هل كلما ركب المقدمات على الوجه الصحيح وجدت النتائج ضرورة أو عادة؟ قال المصنف هنا: {يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ الْمُكْتَسَبُ} الذي أريد اكتسابه وهو النتائج يعني: المجهولات، {بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ} (عَقِبَهُ) أي: بعده (عَادَةً) ، يعني: دائمي أو أكثري، وليس بلازم، وهذا التعبير بكونه في العادة قال: (عَادَةً) {أَيْ فِي الْعَادَةِ} .

فلا يتخلف في الأصل إلا خرقًا للعادة كتخلف الإحراق عن مماسة النار، مع جواز تخلف حصول العلم عن النظر، يعني: قد يركِّب الدليل على الوجه الصحيح ويحصل له النتائج، وقد لا يحصل له النتائج، يعني: قد يوجد العلم بالنتائج عقب الدليل وقد لا يوجد، لكن الأكثر والغالب أنه يوجد، ولذلك قال: عادة أي: في العادة.

{وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ; لأَنَّهُ قَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ يَفِيضَ عَلَى نَفْسِ الْمُسْتَدِلِّ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مَادَّةُ مَطْلُوبِهِ, وَصُورَةُ مَطْلُوبِهِ الَّذِي تَوَجَّهَ بِنَظَرِهِ إلَى تَحْصِيلِهِ} .

وهذا هو الصحيح من الأقوال المذكورة في المسألة.

إذًا: ليس كل ما وجد الدليل وجد مطلوبه وهو العلم الحاصل بالدليل، وإنما قد يتخلف في بعض الصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت