ثم قال رحمه الله تعالى: (وَالْمُسْتَدِلُّ الطَّالِبُ لَهُ مِنْ سَائِلٍ وَمَسْئُولٍ) المستدل اسم فاعل من استدل، والسين فيه للطلب، هو (الطَّالِبُ لَهُ) يعني: الذي يطلب الدليل (مِنْ سَائِلٍ) الذي هو المستفتي (وَمَسْئُولٍ) الذي هو المفتي، فالسائل يطلب من المفتي الدليل، حينئذٍ يكون مستدل، والمسئول يطلب الدليل من الكتاب والسنة فهو طالب، إذًا: لا يختص المستدل يعني: طالب الدليل بالسائل، وإنما يدخل معه كذلك المسئول، ولذلك قال: (وَالْمُسْتَدِلُّ الطَّالِبُ لَهُ) يعني: الباحث عن الدليل .. الذي يطلبه، والطلب هنا إما أن يكون من سائل للمفتي، وإما أن يكون من المفتي يكون طالبًا من الكتاب والسنة، يعني: باحثًا عنه، ولذلك قال: (مِنْ سَائِلٍ وَمَسْئُولٍ) سائل هو المستفتي، ومسئول هو المفتي.
{قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْعُدَّةِ, وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ, وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ؛ وَذَلِكَ لأِنَّ السَّائِلَ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ مِنْ الْمَسْئُولِ} أعطني الدليل: هذا حرام أعطني الدليل؟
{وَالْمَسْئُولَ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ مِنْ الأُصُولِ} من الكتاب والسنة، فهو طالب له.
(فَالدَّالُّ: اللَّهُ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ: الْقُرْآنُ، وَالْمُبَيِّنُ: الرَّسُولُ، وَالْمُسْتَدِلُّ: أُولُو الْعِلْمِ، هَذِهِ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ) .
يعني: إذا علمت ما سبق (فَالدَّالُّ) الفاء هذه فاء الفصيحة، (فَالدَّالُّ) قال فيما سبق: الناصب للدليل، من هو؟ الله عز وجل, (وَالدَّلِيلُ: الْقُرْآنُ) هذا بناء على التفرقة بين الدليل والدال، (وَالْمُبَيِّنُ: الرَّسُولُ، وَالْمُسْتَدِلُّ: أُولُو الْعِلْمِ، هَذِهِ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ) .
{قَالَ ذَلِكَ الإمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنَّمَا أَخَّرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ -صاحب التحرير- لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ} ، من الدال والدليل والمبين والمستدل.
وقوله: (هَذِهِ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ) كيف هذه قواعد الإسلام؟ قال الإسلام: الإسلام، والإيمان .. إلى آخره.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ قَوَاعِدَ الإِسْلاَمِ تَرْجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى} فهو مصدرها .. إلى الشريعة، {وَإِلَى قَوْلِهِ وَهُوَ الْقُرْآنِ, وَإِلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم, وَإِلَى عُلَمَاءِ الآمَّةِ, لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ وَالإِسْلاَمِ عَنْهَا} .
هذا وجه كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن هذه الأربع المذكورات: الدال، والدليل، والمبين، والمستدل أنها قواعد الإسلام؛ لأن الذي يشرع هو الله عز وجل، فكل قاعدة وأصل لا يخرج عن تشريع الله عز وجل، كذلك المبين القرآن .. الدليل، ثم كذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، حينئذٍ لا يخرج شيء من أصول الدين ومن قواعد الإسلام والتشريع عن هذه الأمور الأربعة.