وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُعْجِزٌ، لَكِنْ مِنْهُ مَا لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ مُعْجِزًا بِذَاتِهِ. وَمِنْهُ مَا إعْجَازُهُ مَعَ الانْضِمَامِ إلَيْهِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) )أَنَّ الإِعْجَازَ يَحْصُلُ بِأَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ.
إذًا: الحاصل هنا: أن المصنف أثبت أن الإعجاز يكون في بعض آية، وهذا يُنظر فيه باعتبار تطبيق قواعد البيان على هذا البعض، وقد يكون في بعضها إعجاز وقد لا يكون في بعضها إعجاز، وكذلك الآية وإن كان دخول الآية في قوله: (( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ ) )أوضح وأظهر.
قال: (وَيَتَفَاضَلُ ثَوَابُهُ) يعني: ثواب القرآن.
ويتفاضل القرآن في نفسه، وهذا دل عليه النص.
(وَيَتَفَاضَلُ ثَوَابُهُ) هذه الجملة: (يَتَفَاضَلُ ثَوَابُهُ) زادها المصنف على التحرير، اختصر التحرير، زاد بعض المسائل وهي قليلة جدًا، هذه المسألة منها.
(وَيَتَفَاضَلُ) القرآن في نفسه، لا شك أن ما تعلق بذات الباري جل وعلا هذا أفضل مما تتعلق بذوات المخلوقين، فيُنظر إلى المعنى، وكذلك يتفاضل في ثوابه لظواهر النصوص الدالة على ذلك.
{وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْغَزَالِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّهُ الْحَقُّ} وهو الصحيح، يتفاضل في نفسه خلافًا لما منع، ويتفاضل كذلك في ثوابه، فبعضه أكثر ثوابًا من غيره، جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) )تعدل ثلث القرآن، إذًا: ليست كغيرها، لو قرأ: (( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) )لا تعدل ثلث القرآن، وإذا قرأ (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) )تعدل ثلث القرآن. هذا فضل وثواب أم لا؟ ثواب، إذًا: لا يتساويان.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّهُ الْحَقُّ وَنَقَلَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ: لَعَلَّك أَنْ تَقُولَ: قَدْ أَشَرْتَ إلَى تَفْضِيلِ بَعْضِ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، والْكَلامُ كَلامُ اللَّهِ، فَكَيْفَ يُفَارِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا؟.
يعني: القرآن لا شك أنه من حيث إسناده إلى الباري هو في مرتبة واحدة، وليس مراد العلماء في كونه يتفاضل باعتبار إسناده إلى الباري جل وعلا، كلام الله وكلام غيره لا، وإنما هو كلام الله من حيث إسناده إلى الباري جل وعلا هو على مرتبة واحدة، لكن المراد هنا: باعتبار المتعلق، باعتبار ما يستفيد منه المتعبِّد، في الثواب .. أعظم أكثر إلى آخره.
قال هنا: فَكَيْفَ يُفَارِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا؟ وَكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُهَا أَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ؟
فَاعْلَمْ أَنَّ نُورَ الْبَصِيرَةِ إِنْ كَانَ لاَ يُرْشِدُك إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الْمُدَايَنَاتِ، وَبَيْنَ سُورَةِ الإِخْلاصِ وَسُورَةِ تَبَّتْ، وَتَرْتَاعُ عَلَى اعْتِقَادِ الْفَرْقِ نَفْسُك الْخَوَّارَةُ الْمُسْتَغْرَقَةُ بِالتَّقْلِيدِ. فَقَلِّدْ صَاحِبَ الرِّسَالَةِ.