لأنه قرأ:"قالوا اتخذ الله ولدًا"بغير واو، وهي محذوفة في مصحف أهل الشام. وقس على هذا، وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء.
يعني: الجمع بين خلاف العلماء في كون البسملة آية من الفاتحة أو لا، إنما هو اختلاف قراءة فحسب، فمن أثبتها فباعتبار قراءة ما، ومن نفاها فباعتبار قراءة ما، وهذا وجه حسن.
إذًا: (وَلَا تَكْفِيرَ بِاخْتِلَافٍ فِيهَا) .
قال هنا: {وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ: أَنَّهُ لاَ يُكَفَّرُ النَّافِي بِأَنَّهَا قُرْآنٌ إجْمَاعًا} وقع الإجماع؛ لقيام الشبهة.
{قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ فِي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَنَعَتْ مِنْ التَّكْفِيرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ} المثبتين لها كالشافعية، والنافين لها كالأئمة الثلاثة.
ثم قال: (وَهِيَ) أي: البسملة (آيَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ) .
يعني: آية في كل سورة لا من كل سورة، هل ثَم فرق؟
"في كل سورة"يعني: متقدِّمة .. تثبت قبلها وليست منها يعني: لا تعد منها، يعني ليست منها. ليست هي أول آية من كل سورة، وإنما هي آية في كل سورة، يعني: تُقرأ في كل سورة وليست منها.
ولذلك قال هنا: (وَهِيَ) أي: البسملة (آيَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ) .
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهَذَا مَنْصُوصُ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ} وهو الصحيح.
{قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ} .
قال ابن الصلاح: أنها لما ثبتت أولًا في سورة الفاتحة .. على قوله، أو على أنها في أول الفاتحة لا من الفاتحة، لا إشكال في هذا التعبير، أما من الفاتحة هذا فيه نظر، والصواب: أنها ليست من الفاتحة.
كانت في باقي السور إعادة لها وتكرارًا، فلا تكون في تلك السور ضرورة، ولذلك لا يقال: هي آية من أول كل سورة، بل هي آية في أول كل سورة. فرْق بين التعبيرين.
قال بعضهم: وهو أحسن الأقوال، وبه تجتمع الأدلة، فإن إثباتها في المصحف بين السور، وقد أجمع الصحابة ألا يكون في المصحف غير قرآن، وأن ما بين دفتي المصحف كلام الله، فإن في ذلك دليلًا واضحًا على ثبوتها.
قال أبو بكر الرازي الحنفي: هي آية مفردة أُنزلت للفصل بين السور. وهذا هو الصحيح أنها آية من القرآن، وأنها ليست بآية من الفاتحة، وأنها آية في أول كل سورة، للفصل بين كل سورتين، وهي آية مفردة، لا من كل سورة.
وعليها -إذا تقرر هذا، إذا ثبت أنها قرآن- حينئذٍ لا إشكال في مسألة الجهر بها أو لا في الصلاة، فمن جهر بها فلكونها قرآنًا، والأصل في القرآن أنه يجهر به في الصلاة الجهرية، هذا الأصل فيه.
فحينئذٍ نقول: الأصل هو الجهر، إلا إذا دل الدليل على أنه لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم حرف واحد أنه جهر بها، حينئذٍ يكون مخصَّصًا.
وأما على قراءة الشافعي -على أنها من الفاتحة- لا إشكال في الجهر بها، فلا يكون من البدع، أو أنه من الأمور المنكرة، بل لا بأس بالجهر بها تارة والإسرار بها تارات.