إذًا: عندنا مد وعندنا زيادة المد، المد يكون على أصله حركتان، فحينئذٍ الزيادة على الحركتين عند ابن الحاجب ليست متواترة، وإنما هي من قبيل الاجتهاد يعني: قابلة للاجتهاد، فإن مقادير الزيادة -زيادة المد ونحوه- أمر لا يضبطه السماع عادة؛ لأنه يقبل الزيادة والنقصان، بل هو أمر اجتهادي وقد شرطوا في التواتر: ألا يكون في الأصل عن اجتهاد، وأما أصل المد ونحوه فإنه مضبوط بحركتين.
إذًا: هذا مما نازع فيه ابن الحاجب رحمه الله تعالى، ووافقه غير واحد من الأصوليين.
قال: {وَمُرَادُهُ: مَقَادِيرُ الْمَدِّ وَكَيْفِيَّةُ الإِمَالَةِ لاَ أَصْلُ الْمَدِّ وَالإِمَالَةِ. فَإِنَّ ذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ قَطْعًا} لم ينازع فيه ابن الحاجب ولا غيره.
وهذا تقييد. يعني: ما استثناه ابن الحاجب تقييد لما أطلقه الجمهور من تواتر القراءات السبع، فإنه ليس على إطلاقه، بل يستثنى منه ما قاله ابن الحاجب، فهذه الكيفية هي التي ليست متواترة عنده رحمه الله تعالى.
ولهذا، يعني: للنظر في كونه ما زاد عن المد أنه لا يقال فيه أنه متواتر، بل لا يعد من المتواتر. ولهذا كره الإمام أحمد وجماعة من السلف قراءة حمزة؛ لما فيها من التمطيط، وهل يُعقل بأن الإمام أحمد أو غيره من السلف يكرهون شيئًا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو متواتر؟
لو كانوا يعتقدون تواتر قراءة حمزة فيما زاد عن المدود، هل يكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى قراءة حمزة؟ قطعًا لا، فاستنبط الأصحاب من كراهية الإمام أحمد لقراءة حمزة وبعض السلف أن الزيادة على المدود والإمالة ونحوها أنها ليست بمتواترة، وهو استدلال جيد.
قال هنا: {وَلِهَذَا كَرِهَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ طُولِ الْمَدِّ وَالْكَسْرِ وَالإِدْغَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الأُمَّةَ إِذَا أَجْمتََعَتْ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ لَمْ يُكْرَهْ فِعْلُهُ. وَهَلْ يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي فَعَلَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَتَوَاتَرَتْ إِلَيْنَا يَكْرَهُهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟} الجواب: لا. هذا لا يمكن البتة.
{فَعَلِمْنَا بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً} يعني: في أداء الكلمة.
{وَزَادَ أَبُوْ شَامَةَ} أمرًا آخر مما يستثنى من المتواتر.
وهو: {الأَلْفَاظَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ أَيْ: اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ تَأْدِيَتِهَا} يعني: في أداء الكلمة.
{كَالْحَرْفِ الْمُشَدَّدِ، يُبَالِغُ بَعْضُهُمْ فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَزِيدُ حَرْفًا} (( إِيَّاكَ ) ) [الفاتحة:5] كأنه يزيد حرفًا عليه.