يقول: ونقلُ معانيه أظهر من نقل ألفاظه وإعرابه، فإن القرآن: لغتَه ونحوه وتصريفَه ومعانيَه .. كلها منقولة بالتواتر، لا يحتاج في ذلك إلى نقل غيره، بل نقل ذلك كلُّه بالتواتر أصح من نقل كل لغة نقلها ناقل على وجه الأرض، وهذا فيه استدراك لما ذكره ابن الحاجب رحمه الله تعالى، وكما ذكرنا المسألة فيها نزاع، ويحتاج إلى إثباته من جهة النقل.
قال رحمه الله تعالى: (وَمُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ) .
والكلام في الحروف السبعة هذا موجود في محله عند القراء وكتب علوم القرآن، لكن المراد هنا: مصحف عثمان الذي خطه رضي الله تعالى عنه بأمره.
{مُصْحَفُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الَّذِي كَتَبَهُ وَأَرْسَلَ مِنْهُ إلَى الآفَاقِ مَصَاحِفَ عَدِيدَةً} هو ليس نسخة واحدة وإنما هو نُسخٌ، ثم كل نسخة تختلف عن النسخة الأخرى، ولذلك وُجد في بعضها ألفاظ لم يوجد في الأخرى، وإنما يوافق القراءات.
(أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ) يعني: هو واحد منها وليس هو كل الحروف السبعة.
ولذلك قيل: إن القراءات السبع هي الحروف السبعة وليس الأمر كذلك، وإنما المراد بالحروف السبعة هو حرف قريش، وهذيل .. ونحو ذلك.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ: مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ.
وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ أَبُو شَامَةَ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ الإِمَامُ فِي الْقِرَاءاتِ فِي كِتَابِهِ الْمُرْشِدِ: إنَّ الْقِرَاءاتِ الَّتِي بِأَيْدِي النَّاسِ مِنْ السَّبْعَةِ وَالْعَشَرَةِ وَغَيْرِهَا هِيَ حَرْفٌ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: .
إذًا: القراءات نوعان، وسيأتي بحثها فيما قدمه المصنف رحمه الله تعالى.
ذَكَر ما يتعلق بمصحف عثمان رضي الله تعالى عنه ليفرِّع عليه المسائل الآتي ذكرها، هو ليس مقصودًا لذاته، إنما مصحف عثمان كونه من الحروف السبعة هذا لا إشكال فيه، ولكن ينبغي أن يُنظر فيه من جهة ما وافقه من القراءات وعدمها؛ لينضبط لنا ما هو المتواتر وما هو الشاذ.
فقال المصنف: (فََـ) يعني: يتفرع عن كون مُصْحَفُ عُثْمَانَ الَّذِي كَتَبَهُ وَأَرْسَلهُ إلَى الآفَاقِ، وأنه أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ بإجماع الصحابة .. أن ما بين دفتي مصحف عثمان أنه قرآن.
(فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بِمَا وَافَقَهُ وَصَحَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَشَرَةِ) حينئذٍ قال: تصح الصلاة سواء قرأ به في الصلاة أو في غيرها، لكن صحة الصلاة به أظهر.
قال: (بِمَا وَافَقَهُ) يعني: ما وافق مصحف عثمان، يعني: وافق النسخ التي أرسلها إلى الآفاق، أو أحد النسخ التي أرسلها إلى الآفاق.
ثم قال: (وَصَحَّ) يعني اشترط الصحة، ولا شك أن الصحة أعم من التواتر؛ إذ كل متواتر صحيح ولا عكس، هل كل صحيح متواتر؟ لا.
إذًا: إذا اشترطنا الأعم حينئذٍ جاء السؤال هنا، كون المصنف .. هل يشترط التواتر في القرآن أم لا؟ نقول: لا يشترط، ولذلك قال:
(وَصَحَّ) يعني: صح سنده، هذا ظاهر صنيعه رحمه الله تعالى.