فهرس الكتاب

الصفحة 629 من 1890

دل على أن هذه المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الآفاق بينها فوارق بزيادة وحذف. فأي قراءة وافقت أحد هذه المصاحف كما قال هنا: ولو احتمالًا وَوَافَقَتْ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ. لكن ينبغي أن يكون وجهًا صحيحًا -يعني: فصيحًا- ليس مطلق العربية لا، لا بد أن يكون وجهًا صحيحًا يعني: معتبرًا، يعني: شاع في لسان العرب، ولو اختصت به طائفة دون أخرى يعني: قبيلة دون أخرى، وأما ما شذ عند النحاة فلا يجوز حمل القرآن عليه البتة، ولذلك نقول دائمًا: لا يجوز حمل القرآن على الجر بالمجاورة مثلًا؛ لأنه ضعيف، وكذلك: لغة أكلوني البراغيث، وإن كان بعض الآيات ظاهرها أنها على هذه اللغة، لا يجب تأويل؛ لأنها لغة شاذة غير معتبرة عند أهل اللغة.

{وَوَافَقَتْ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ} يعني: صحيح ثابت عند اللغة وهو ما ثبت اعتماده، وأما ما كان شاذًا: فلا.

{وَصَحَّ سَنَدُهَا} يعني: ثبت من حيث السند أنه صحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

{فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُنْكِرَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ عَنْ السَّبْعَةِ، أَوْ عَنْ الْعَشَرَةِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ. وَمَتَى اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِهِ الأَرْكَانِ الثَّلاثَةِ: أُطْلِقَ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ شَاذَّةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنْ السَّبْعَةِ، أَوْ عَمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمْ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. صَرَّحَ بِهِ الدَّانِيُّ، وَمَكِّيٌّ، وَالْمَهْدَوِيُّ، وَأَبُو شَامَةَ. وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الَّذِي لاَ يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلاَفُهُ} .

إذًا: حاصل كلام الجزري أهم مسألة: أنه لا يُشترط في القرآن أن يكون متواترًا. وهذا هو الصحيح.

وإن كان المشهور .. فرقٌ بين العلم وبين المشهور، المشهور قد يكون خلاف الصواب .. قد يكون هو القول المرجوح، لكن العلم الصحيح هو ما وافق الأصول، وإن كنت وحدك، وأما ما خالف الأصول وإن اشتهر فقد يكون مرجوحًا، وقد يكون ضعيفًا، الصحيح: ما قدمه هنا في الجزري، وإن كان المشهور أن القرآن لا يكون إلا متواترًا.

ومن هنا نشأ الخلاف في البسملة، لو قيل أنه لا يشترط التواتر لما وقع نزاعٌ بين الأئمة، فنشأ عنه القراءات الشاذة .. ليست قرآنًا لأنها آحاد.

نشأ عن هذا القول .. بأن القرآن لا يكون إلا متواترًا، حينئذٍ ما كان آحادًا ولو وافق مصحف عثمان أو أحد المصاحف فهو شاذ، وهذا محل النزاع هنا، هل يسلَّم؟ نقول: لا يسلم، كيف يكون الصحابة رضي الله تعالى عنهم يثبتون رسمًا معينًا وتصح القراءة به ويصح سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نقول: هذه شاذة لا يقرأ بها؟ نقول: لا. هذا خلاف الصواب.

بل متى ما صح السند ثبت أنها قراءة للنبي صلى الله عليه وسلم، وعلى القول بالتواتر حينئذٍ نشأت أن القراءات إن لم تكن متواترة فهي شاذة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت