وقال: الصحيح أن المتشابه ما ورد في صفات الله تعالى مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله كقوله تعالى: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ) [طه:5] ، (( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) ) [المائدة:64] وذكر أمثلة ثم قال: فهذا اتفق السلف على الإقرار به، وإمراره على وجهه وترك تأويله. وهذا باطل، بل من أبطل الباطل، أن يقال بأن آيات الصفات من المتشابه الذي لم يتضح المراد منه، فضلًا عن أن نقول بأنه مما استأثر الله تعالى بعلمه، وجعلُهُ هذا إنما هو قاعدة التفويض التي اعتمده أرباب التفويض، وهذا كما ذكرنا أنه باطل.
فقول المصنف: (أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ) {كَآيَاتِ الصِّفَاتِ} يعني: جعلَ آيات الصفات من المشتبِه، يعني: مما لا يُعرف المراد منه، كما هو الشأن لو قال: لي عين، أو عندي عين. هذا مجمل يحتاج إلى بيان.
قال: آيات الصفات كذلك، حينئذٍ نقول: (( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) ) [المائدة:64] ما ندري ما اليد؟ نحتاج إلى دليل يبين لنا.
(( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ) [طه:5] لا ندري ما استوى، نحتاج إلى دليل يبين لنا، مع ابن قدامة رحمه الله تعالى اعتمد القول الآخر، في أن المتشابه هو ما استأثر الله تعالى بعلمه جل وعلا، ولا يعلمه إلا الله تعالى، ولذلك نقول: ابن قدامة في باب الآيات -آيات الصفات- مفوِّض وليس على طريقة أهل السنة والجماعة.
وهذا واضح بيِّن من كتاب ذم التأويل، وكذلك في اللمعة، وكذلك في الروضة .. وهو واضح بيِّن.
هنا المصنف قلَّده بناء على هذا القول، وهذا كما ذكرنا أنه قول باطل لا يستند إلى آية أو نص، وإنما اتفق الصحابة على أن آيات الصفات إنما هي دالة على ظاهرها، ولا يُفهم منها التشبيه البتة، ومن فهم منها التشبيه فهو خلل عنده في نفسه.
إذًا: (أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ. كَصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) {أَيْ كَآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارِهَا} .
وكما ذكرنا هذا تبِع فيه ابن قدامة وهو قول باطل، والصواب أنها من المحكم المتضح المعنى، بل من أحكم المحكم.
ولذلك تنازع الصحابة في بعض مدلولات الألفاظ المتعلقة بالأحكام الفرعية، ولم يُنقل عنهم حرفٌ واحد أنهم تنازعوا في صفة من الصفات، دل على أنه واضح المراد، وأنه لم يقع نزاع بينهم البتة.
وما ذكره بعض الحنابلة من هذه المسألة فهذا شيء من التفويض الذي دخل على بعضهم، ونسبوه إلى أئمة السلف، بأن عقيدتهم التفويض وهذا باطل، وليس للسلف مذهبان، إنما هو مذهب واحد، وهو فهم النصوص على ما دلت عليه على ما يليق بالباري جل وعلا.
وأما القول بأن مذهب السلف هو التفويض، إن كانوا أرادوا به التفويض وأنه مشتبِه في الكيفية فنعم، فلا إشكال فيه؛ لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله تعالى، حقائق الصفات لا يعلمها إلا الباري جل وعلا، وأما معنى الصفات فهذا محل إجماع البتة، لا خلاف بين الصحابة ولا من تبعهم بأن الألفاظ دلت على معانيها في اللغة، فنفهم منها ما دلت عليه.
ثم (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ) [الشورى:11] فلا يشتبه على شخص ما بأن ظاهرها غير مراد أو نحو ذلك، هذه دعاوى كلها جاء بها أهل البدع.