قال الرازي: {لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِشَيْءٍ وَلاَ يَعْنِي بِهِ شَيْئًا، خِلافًا لِلْحَشْوِيَّةِ} الحَشْوِيَّة أو حشَوية، قيل بفتح الشين أو بإسكانها، وبعضهم غلَّط فتح الشين قال: حشْوية وليس حشَوية.
على كلٍّ: وَسُمُّوا حَشْوِيَّةً؛ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي حَلْقَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَمَامَهُ. فَلَمَّا أَنْكَرَ كَلامَهُمْ قَالَ: رُدُّوهُمْ إِلَى حَشْوِ الْحَلْقَةِ، أَيْ: جَانِبِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: بِفَتْحِ الشِّينِ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالإِسْكَانِ. وَكَذَا قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: بِالسُّكُونِ. لأَنَّهُ إمَّا مِنْ الْحَشْوِ، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِوُجُودِ الْحَشْوِ الَّذِي لاَ مَعْنَى لَهُ فِي كَلامِ الْمَعْصُومِ، أَوْ لِقَوْلِهِمْ بِالتَّجْسِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وبعضهم يرمي أهل السنة بالحشوية؛ لأنهم يثبتون الصفات على بابها.
قال: (وَلَا مَعْنِيٌّ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ) يعني: ليس في القرآن ما يُعنى به غير ظاهره إلا بدليل.
(وَلَا مَعْنِيٌّ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ) .
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ (مَا لاَ) أَيْ: شَيْءٌ (مَعْنِيٌّ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ) وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ وَأَتْبَاعِهِمْ؛ لأَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى مَدْلُولِ اللُّغَةِ فِيمَا اقْتَضَاهُ نِظَامُ الْكَلامِ، وَلأَنَّ اللَّفْظَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ كَالْمُهْمَلِ.
إذًا: ما كان له ظاهرٌ وهو ما احتمل معنى مرجوحًا لا يُراد به غير ظاهره، على ما ذكرنا القاعدة السابقة: أن الظاهر كالنص، حينئذٍ يُحمل على ظاهره، متى؟
إن لم يرد دليل صارفٌ، هل يوجد في القرآن أو في السنة لفظ ظاهر له معنيان ولم يأت دليل يدل على أن المرجوح هو المراد، ثم يراد به المعنى المرجوح؟ الجواب: لا، هذه المسألة التي معنا.
يعني: يكون له معنيان هو في أحدهما أرجح، هل يُراد به المعنى المرجوح دون دليل؟ الجواب: لا؛ لأن هذا تلبيس .. إيقاع الناس في اللبس.
(وَلَا مَعْنِيٌّ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ) فالظاهر هو المعتبر، ولذلك القول بأن الظاهرية .. أنهم يعني مما خالفوا ما عليه السلف، نقول: لا، الأصل هو الظاهر، ومذهب السلف: هو حمل النصوص على ظاهرها في باب المعتقد وفي باب الفروع، ليس في باب العقيدة فقط نقول: نحمل النصوص على ظاهرها، لكن في باب الفروع: إن دل دليل على أن المعنى أوسع من اللفظ اعتبرناه، وإن لم يرد دليل أبقينا اللفظ على ظاهره، هذه القاعدة في باب الفروع.
يعني: قد يدل الدليل على أن المعنى أوسع يعني: تكون فيه علة، وحينئذٍ إذا ثبتت العلة إما باجتهاد أو بإجماع ونحو ذلك، نقول: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلا نقتصر على اللفظ بل نوسِّع المدلول، هذا متى؟ إذا دل الدليل على أن المعنى معتبر هنا، وأما إذا لم يرد بقينا على ظاهره.
قال هنا: (إِلَّا بِدَلِيلٍ) إن دل الدليل على أن الظاهر غير مراد فعلى العين والرأس، وأما إذا لم يدل فأبقينا على ظاهره.
(إِلَّا بِدَلِيلٍ) {لِلاِحْتِرَازِ مِنْ وُرُودِ الْعَامِّ وَتَأَخُّرِ الْمُخَصِّصِ لَهُ وَنَحْوِهِ} .