فهرس الكتاب

الصفحة 645 من 1890

إذًا: ثم قولان، والمصنف رحمه الله تعالى قدّم القول الأول، واستدل عليه بـ {قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ:"إنْ تَأْوِيلُهُ إلاَّ عِنْدَ اللَّهِ"} يعني: ما تأويله إلا عند الله. فدل على الحصر.

{وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ:"وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ} ويقول الراسخون أظهر، دل على أنه عندهم كذلك."

{وَمِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ:"وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ"، وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ} .

إذًا: هذا يدل على القول الأول وأنه هو المشهور عند السلف.

قال الشارح: {فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلاسْتِئْنَافِ} ومر معنا معنى الاستئناف أنه: الابتداء، يعني: قطع الكلام عما قبله، فيكون مستأنفًا يعني: مبتدأ.

لأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ - وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ بِهَا الْقِرَاءَةُ - فَأَقَلُّ دَرَجَاتِهَا أَنْ تَكُونَ خَبَرًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ، فَيُقَدَّمُ كَلامُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ دُونَهُ.

قَالَ الأُسْيُوطِيُّ: قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الآيَةِ: قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ.

ابن قدامة رحمه الله تعالى في الروضة أطنب فيما يتعلق بهذه الآية، وقرر تقريرًا طويلًا بأن المراد بالمتشابه هو آيات الصفات، ومر معنا أن هذا غلط، وإنما هو طريقة المفوضة، وابن تيمية رحمه الله تعالى يقرر في غير موضع أن شر أهل البدع هم المفوضة.

{قَالَ فِي الرَّوْضَةِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُخَاطِبُ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلْقَ بِمَا لاَ يَعْقِلُونَهُ} لأن المراد هنا عدم فهم المعنى.

أَمْ كَيْفَ يُنْزِلُ عَلَى رَسُولِهِ مَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَى تَأْوِيلِهِ؟

قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَهُمْ الإِيمَانَ بِمَا لا يَطَّلِعُونَ عَلَى تَأْوِيلِهِ؛ لِيَخْتَبِرَ طَاعَتَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ) ).

أما التأويل بمعنى التفسير فما قاله رحمه الله تعالى لا وجه له، يعني: لا يوجد عندنا ما يبتلى به العباد من حيث أنه لا يُفهم المراد من الكلام، وهذا لا وجه له، وإنما عنى أن آيات الصفات كثيرة في القرآن.

فحينئذٍ قراءتها هو إمرارها، ولا يدري ما المعنى (( وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ) [الشورى:11] "السَّمِيعُ"لا يدري ما المراد به، و"البَصِيرُ"كذلك لا يدري ما المراد به.

بل نص هو في ذم علم الكلام، على أن الذي كُلِّف به العباد في آيات الصفات هو: الإيمان باللفظ فحسب، يعني: أن تؤمن بأن الله تعالى قال: السميع، لكن ما السميع؟ لا تدري ما هو. وهذا باطل، وهذا الذي قرره رحمه الله تعالى في الروضة وفي غيرها.

ثم قال المصنف: (وَيَحْرُمُ تَفْسِيرُهُ بِرَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ بِلَا أَصْلٍ) .

(تَفْسِيرُهُ) يعني: تفسير القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت