(بِرَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ بِلا أَصْلٍ) يعني: بلا دليل، حينئذٍ .. كما ذكر ابن القيم فيما مر معنا: أن تواتر معاني القرآن أظهر وأجلى من تواتر ألفاظه وإعرابه (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ) [الحجر:9] هل الحفظ للفظ فقط أم للمعنى؟
لا شك أن المقصود من إنزال القرآن هو: التعبد به، والتعبد إنما يكون بما دل عليه، وما دل عليه إنما يؤخذ من جهة تفسيره ومعناه، فدل ذلك على أن القرآن محفوظ من جهة اللفظ -ولا شك-، ومحفوظ من جهة المعنى.
فإذا تقرر ذلك، فحينئذٍ يحرم تفسيره بمجرد الرأي دون دليل من شرع أو من لغة.
(وَيَحْرُمُ تَفْسِيرُهُ) {أَيْ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ} (بِرَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ) والاجتهاد هو داخل في الرأي، لكن قد يعتمد في الاجتهاد ما لا يصح اعتمادُه، والرأي واضح أنه مجرد، بمعنى أنه لم يعتمد على شيء البتة من قِبَل نفسه بل بهواه، وأما الاجتهاد فهو يحتمل أنه اعتمد شيئًا ليس بعمدة.
(بِلَا أَصْلٍ) قال: {لِلآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) )} يعني: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وهذا واضح بين.
أن من تكلم في القرآن برأيه أو اجتهاده دون أن يكون مستندًا لدليل شرعي من كتاب أو سنة أو قول صحابي أو قول أئمة التفسير، أو قواعد اللغة المعتبرة، حينئذٍ قد قال في القرآن ما ليس منه. { (( أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) )وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ) )} هذه وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم.
{فَأَضَافَ التَّبْيِينَ إِلَيْهِ} ، فدل على أن القرآن منقول من جهة التفسير ومنقول من جهة اللفظ، وليس الثاني فحسب كما قد يظنه كثير من الناس.
{وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: } .
دل على تحريمه، وأنه لا يجوز القول في القرآن من غير أن يعتمد على أصل.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ جُنْدُبٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: .
وإذا أخطأ، المراد به هنا: فقد أذنب
{رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ} .
إذًا: هذه قاعدة من قواعد التفسير يجب اعتمادها عند النظر في كلام الباري جل وعلا: أنه يحرم أن يتكلم في القرآن بمجرد رأيه وبظنه وبهواه، وإنما النظر يكون فيما قاله الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وما لم يرد فيه شيء وصح اعتماد القواعد العامة في لغة العرب فلا إشكال فيه.
ولذلك قال: (وَلَا يَحْرُمُ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ) .
يعني: ما تقتضيه اللغة حينئذٍ لا يحرم إلا في حالة واحدة وهي: إذا نُقل عن السلف، وأطبقوا على معنى، وكانت اللغة تقتضي غير ذلك، فقول السلف حينئذٍ يكون مقدَّمًا على قواعد اللغة.