القرآن حاكم على قواعد اللغة وليس العكس، كما يعتمده كثير من النحاة، القرآن من حيث اللفظ ومن حيث المعنى قاضٍ على كثير من قواعد اللغة وليس هو العكس.
(وَلَا يَحْرُمُ) يعني: {تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ}
(بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ) يعني: بما تقتضيه اللغة، يعني قواعد اللغة، سواء كان ما يتعلق بفقه اللغة وهو مدلول الألفاظ، أو بقواعد الأساليب والتراكيب وهو ما يتعلق بعلم النحو، أو بالمفردات وهو ما يتعلق بعلم التصريف.
قال: وهذا {عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ} أن قواعد اللغة يمكن اعتمادها وهي أصل صحيح، لكن بالشرط المتقدم وهو: ألا تخالف ما نُقل عن السلف.
ولذلك أهل البدع يعتمدون قواعد اللغة أكثر من اعتمادهم على ما نُقل عن السلف، يُطبقون على معاني الصفات، ثم يخالفونها لأن هذا يقتضي مخالفة القاعدة كذا، ويقتضي مخالفة استعمال العرب في كذا، وهذا مجاز ..
وعُلم من إجماع السلف أنهم لم يحملوا مثلًا آيات الصفات والأسماء على المجاز، لو قيل بوجود المجاز في لغة العرب، لكن أطبقوا على أن المراد بآيات الصفات هو ظاهرها.
إذا كان كذلك حينئذٍ لا نأتي نقول: اللغة منها المجاز وآيات الصفات من المجاز، نقول: هذا استَعمَل قواعد اللغة لكنه على خلاف ما نُقل عن السلف.
إذًا: (وَلَا يَحْرُمُ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ) بالقيد الذي ذكرناه.
{قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الاِحْتِجَاجُ فِي التَّفْسِيرِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ كَثِيرٌ} .
يعني: قواعد اللغة واستعمالات العرب اعتمدها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير القرآن.
وكذلك {لأَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ} وإذا كان القرآن عربيًا فحينئذٍ يُفسَّر ويُحمل من جهة المعاني ومن جهة التراكيب على مقتضى لغة العرب، وهذا هو الأصل فيه، لكن بالقيد السابق.
فَيَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِمُقْتَضَى لُغَةِ الْعَرَبِ.
{وَعَنْهُ} -يعني: رواية عن الإمام أحمد-: {لاَ يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ} .
وهو موافق لما سبق؛ لأننا قيدنا (وَلَا يَحْرُمُ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ) ليس على إطلاقه، بل يشترط فيه: أن لا يخالف ما عليه السلف الصالح، حينئذٍ قوله: {لاَ يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ} موافقٌ لما سبق.
{اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، أَوْ عَلَى صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِقَلِيلٍ مِنْ اللُّغَةِ} يعني: بما لم يشتهر في لغة العرب.
هاتان قاعدتان ختم بهما المصنف ما يتعلق بالدليل الأول الكلي وهو: الكتاب.
ثم قال: (بَابٌ: السُّنَّةُ) هذا هو الدليل الثاني، ومر معنا أن السنة فرعٌ عن الكتاب، ولذلك عدَّ بعض الأصوليين الأدلة الشرعية دليلًا واحدًا وهو الكتاب؛ لأن الكتاب دل على السنة وهي فرعٌ عنه، والكتاب والسنة دلا على الإجماع، ودلا كذلك على القياس.
(بَابٌ، السُّنَّةُ.
لُغَةً: الطَّرِيقَةُ) يعني: فيما يتعلق بالدليل الثاني وهو السنة.
وفسّرها المصنف هنا بالطريقة.