وَلَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ -السنة التركية- مُقَيَّدٌ بِتَصْرِيحِ الرَّاوِي بِأَنَّهُ تَرَكَ كَذَا، أَوْ قِيَامِ الْقَرَائِنِ عِنْدَ الرَّاوِي الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ كَذَا.
يعني: ليس مطلق الترك وإنما هو ترك مقيد، وهذا يُلحق به -بل هو آكد- يُلحق به ما عُلِم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم اتفقوا على تركه؛ إذ لو كان الفعل تشريعًا لما أجمعوا على تركه؛ لأننا نقول مثلًا: من الأدلة على أن المولد النبوي بدعة: أن الصحابة لم يفعلوه، هل نُقل التنصيص كما قال المصنف هنا على أنهم تركوه؟ لم يُنقل.
يعني: على كلام المصنف هنا -وقد تمسك به بعض من أجاز المولد النبوي- أنه لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك، لم يأت راوي يقول: ترك النبي صلى الله عليه وسلم المولد النبوي، ولم يرد عن الصحابة أنه ترك.
إذا اشترطنا النقل في الترك حينئذٍ فُتح باب البدعة على مصراعيه، لكن نقول: يُشترط النقل في بعض، وما اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه تركوه هو آكد -لأنه إجماع- آكد مما نقله الواحد بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على تركه. فيُتنبه لذلك؛ لئلا يُفتح باب البدعة، بأنه .. إذا قيل: أن الشرط في البدعة التركية التي لم يفعلها الصحابة رضي الله تعالى عنهم وفُعلت بعدهم -ما يُعبر عنه ابن تيمية رحمه الله تعالى بوجود المقتضي وانتفاء المقتضى- على كلام المصنف: أن هذه القاعدة بطلت من أصلها؛ لأنه يشترط النقل وهذا لم يُنقل، لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك المولد، ولم يرد عن أحد من الصحابة أنه ترك المولد.
إذًا: المولد لا بأس به، ولا يدل عليه شيءٌ من النهي.
نقول: لا. الترك قد يُنقل عن الأفراد .. عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن غيره، وقد يكون إجماعًا، وإذا كان كذلك عُدَّ من القرائن التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى. هذا النوع الثاني وهو فعله عليه الصلاة والسلام.
قال: (وَإِقْرَارُهُ) يعني: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان التقرير في الأصل داخلٌ في الفعل؛ لأنه كفٌ عن الإنكار، والكف هو الترك.
فحينئذٍ: الكَفُّ فِعْلٌ فِي صَحِيحِ المَذْهَبِ، إذًا: الإقرار داخل في الفعل؛ لأنه كف عن الإنكار، والكف فعل.
لكن يُنَص عليه من باب التأكيد، ويُجعل له عنوان وتتعلق به أحكام، ولا بأس به.
{وَإِقْرَارُهُ} صلى الله عليه وسلم {عَلَى الشَّيْءِ} يعني: سكوته {عَلَى الشَّيْءِ يُقَالُ أَوْ يُفْعَلُ} يعني: بحضرته أو في زمنه، قيده كثير من الأصوليين: إذا علمه، يعني: بلغه فسكت، حينئذٍ يكون سنة، والصواب أنه: متى ما وقع بحضرته -وهذا لا إشكال فيه- أو في زمنه، سواء علمه أو لا، سواء بلغه أم لا، سواء انتشر أم لا مطلقًا، ما دام أنه وقع في زمنه؛ لأنه إذا لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقد علمه علّام الغيوب، فلو كان مخالفًا للشرع ولم يرده الله عز وجل لنزل فيه قرآن.