ولذلك احتج بذلك جابر رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل، لا شك أن العزل لا يطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قال: كنا نعزل والقرآن ينزل. يعني: إذا لم يطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم فالله عز وجل قد اطلع عليه، فلو كان محرمًا لحرّمه الله تعالى، هذه قاعدة.
حينئذٍ: كل ما فُعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم سواء علمه أو لم يعلمه، انتشر أو لم ينتشر فهو سنة، مباشرة؛ لأنه لو لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه الباري جل وعلا، ولذلك بعضهم يسمي هذا: تقرير الله تعالى، فيقول: التقرير يكون من النبي صلى الله عليه وسلم، والتقرير يكون من الباري جل وعلا.
وقل من ذكره من الأصوليين، وحديث جابر واضح فيه بيّن.
إذًا: قوله هنا: {فَإِذَا سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إنْسَانًا يَقُولُ شَيْئًا} وسكت .. لم يُنكر، دل على أنه لا بأس به .. ليس محرمًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسكت على منكر، سواء استبشر أم لا، يعني استبشر: ضحكَ أو تبسم أو نحو ذلك، أو أقره أولا، فالحكم عام.
{أَوْ رَآهُ يَفْعَلُ شَيْئًا. فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنْ السُّنَّةِ قَطْعًا} .
يعني: لا شك في ذلك أنه داخل في مفهوم السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله تفصيل يأتي في محله.
(وَزِيدَ الْهَمُّ) يعني: زاد بعض الأصوليين"الهم"في تعريف السنة، وهذا زاده الزركشي في تشنيف المسامع وغيره، وقد نص أنه من الفعل، لكن كما زدتم الإقرار وهو من الفعل من باب التأكيد والإيضاح قال: كذلك نزيد الهم وإن كان من الفعل؛ لأنه خفيٌ .. قد يخفى، ولذلك الترك كذلك نقول: هذا داخلٌ في الفعل، لكن قد يزاد من باب التأكيد والتنصيص، ولا إشكال فيه، المقام هنا مقام اصطلاح، وإذا كانت الفائدة أكثر في التنصيص دون الإجمال والإدخال فهو أولى ولا إشكال فيه.
(وَزِيدَ الْهَمُّ) حيث إنه من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، والأفعال هنا المراد بها: فعل القلب، الهم فعل القلب، هو داخل في أفعال القلوب، وهو كذلك داخلٌ في الفعل.
(وَزِيدَ الْهَمُّ) {أَيْ: وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ: مَا هَمَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِفِعْلِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ} .
يعني القصد منه: إيقاع الفعل، لكنه لم يقع، هل هو سنة أم لا؟ نقول: نعم هو من السنن، لكن المصنف أدخله في الفعل.
لأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لاَ يَهُمُّ إلاَّ بِحَقٍّ مَحْبُوبٍ مَطْلُوبٍ شَرْعًا؛ لأَنَّهُ مَبْعُوثٌ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ.
وَمِنْهُ: هَمُّهُ صلى الله عليه وسلم بِمُعَاقَبَةِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجَمَاعَةِ.
"قد همَمْتُ"صرّح بذلك"همَمْتُ"، فدل على أنه من السنة، وقد يقال: الهم خفيٌ فلا يُطلَّع عليه إلا بقول أو فعل، فيكون الاستدلال بأحدهما، يعني: يمكن رد الهم إلى السنة القولية أو السنة الفعلية؛ لأنه لا يمكن أن يطلع عليه إلا بتصريح.
ولذلك قال: همه صلى الله عليه وسلم بمعاقبة .."قد همَمْتُ"صرّح بذلك، وإلا هو غيب، ما الذي أطلعنا على همه صلى الله عليه وسلم؟ لا بد أن يصرّح بذلك، فرجع إلى السنة القولية والسنة الفعلية.