فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 1890

وَقَالَ: مَا بَلَغَنِي حَدِيثٌ إلاَّ عَمِلْت بِهِ، حَتَّى أَعْطَي الْحَجَّامَ دِينَارًا.

هذا الأصل وهذا هو فعل الصحابة، وهذا ما عليه أئمة السلف هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا، حينئذٍ لا يأتي السؤال: هذا جبلي، هذا من قبيل العادة .. ونحوه، وإنما يُنظر فيه إلى المصالح والمفاسد، يعني: ما يخالف المجتمع كلبس العمامة، ولبس السبتية، ونحوها لا يقال فيه هل هو مشروع أم لا؟ لا، هو مشروع قطعًا.

لكن هل فيه مفسدة تتعلق به أو لا؟ فيكون السؤال عن المفاسد المترتبة عليه، أما هل هو مشروع؟ نعم مشروع، لا يخرج عن الندبية البتة.

{وَوَرَدَ أَيْضًا عَنْ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: اسْقِنِي. فَشَرِبَ قَائِمًا، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ قَائِمًا} .

قال هنا: {وَمَنْشَأُ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ تَعَارُضُ الأَصْلِ وَالظَّاهِرِ. فَإِنَّ الأَصْلَ عَدَمُ التَّشْرِيعِ، وَالظَّاهِرُ فِي أَفْعَالِهِ التَّشْرِيعُ} كيف الأصل عدم التشريع؟

يعني أفعال النبي صلى الله عليه وسلم الأصل فيها أنها غير محمولة على بيان الشرع، فإذا أراد الشرع قال: قال الله تعالى، وبيّن حكمًا شرعيًا.

لكن نقول: ظاهر النصوص تدل على الخلاف في ذلك. نعم باعتبار المكلَّف الأصل عدم التكليف، بمعنى براءة الذمة مما يتعلق بها من التأثيم ونحوه، لكن هذا لا يلزم منه عدم التشريع. فرْقٌ بين أن نقول: براءة الذمة من التكليف الذي هو الإلزام، وبين عدم التشريع؛ لأن التشريع أعم من الإلزام، قد لا يكون واجبًا ونقول الأصل في حق المكلَّف أنه لا يُلزم بشيء البتة. هذا الأصل فيه.

لكن كونه يُندب له فِعل كذا هذا لا ينافيه، ففرق بين المسألتين.

فنقول: الأصل براءة الذمة يعني: من المتعلِّقات، من حيث الإيجاب وعدمه؛ لأنه يترتب على الإيجاب إلزامه بالفعل، ونحن بحثنا ليس في الإلزام وإنما هو في مطلق التأسي.

ثانيًا: ما يترتب عليه من العقاب، نقول: هذا الأصل فيه براءة الذمة، فلا يلزمه شيءٌ البتة.

لكن لا يمنع ذلك أن يكون مشروعًا ويكون مسنونًا، ويُندب له فعل ذلك.

قال: وَالظَّاهِرُ فِي أَفْعَالِهِ التَّشْرِيعُ؛ لأَنَّهُ مَبْعُوثٌ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ.

ثُمَّ قَالَ: وَحَاصِلُ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ رَجَّحَ فِعْلَ ذَلِكَ وَالاقْتِدَاءَ بِهِ وَالتَّأَسِّي قَالَ: لَيْسَ مِنْ الْجِبِلِّيِّ، بَلْ مِنْ الشَّرْعِ الَّذِي يُتَأَسَّى بِهِ فِيهِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْجِبِلِّيَّ وَغَيْرَهُ: فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْجِبِلِّيِّ.

والصواب كما قلنا: أنه يُحمل على الندب مطلقًا دون نظر إلى الجبلّي وغيره.

النوع الرابع من أنواع فعله صلى الله عليه وسلم: ما وقع بيانًا لنص.

يعني: يأتي نص فيحتاج إلى تفسير، فيفسِّره النبي صلى الله عليه وسلم. حينئذٍ يأخذ حكم ذلك النص.

قال: (وَبَيَانُهُ) {أَيْ: وَمَا بَيَّنَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ حُكْمٍ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت