لما وضعوا قاعدة: أن الفعل أدنى من القول جعلوا بينهما تعارضًا مطلقًا، نقول: لا. من حيث إثبات الحكم الشرعي بالفعل لا يقل عن إثبات الحكم الشرعي بالقول، هل ثم فرقٌ من حيث إثبات الأحكام الشرعية -هنا وقعت الشبهة عند الأصوليين- .. هل ثم فرقٌ بين إثبات الحكم الشرعي من حيث النتيجة بين الكتاب والسنة؟ لا فرق، لكن هل بينهما مرتبة؟ نعم. لا شك، أن الكتاب أعلى من السنة.
كذلك ما ثبت بالمتواتر من حيث الطريق ليس هو كما ثبت بالآحاد، لكن كل منهما دليل شرعي.
وإذا حصل تعارض بين متواتر وآحاد، لا نقول: هذا متواتر وهذا آحاد، وكل منهما لا يمكن أن يعارض الآخر. لا. نقول: هذا دليل وهذا دليل، وثبت بهما حكم شرعي، فحينئذٍ نرجع إلى الجمع، فحينئذٍ لا نقول بأن الفعل أدنى من القول، نعم هو كذلك، إذا لم يمكن الترجيح يعني: إذا أمكن الجمع حينئذٍ صرنا إليه، إن لم يمكن الجمع وعلمنا التاريخ فحينئذٍ نقول: الثاني ناسخ سواء كان قولًا أو فعلًا. إن لم نعلم التاريخ، المرجِّحات كثيرة.
من المرجِّحات إذا لم نجد إلا أن نقدم القول لقوته على الفعل صار مرجِّحًا، لكن التقديم هنا من حيث القوة لا يلزم منه أنه هو القاعدة المستمرة أو هو الأصل، وإنما الشأن فيه كالشأن بين المفهوم والمنطوق، ولا شك أن المنطوق أقوى من المفهوم، كما هو الشأن في إثبات الحكم الشرعي بالكتاب أقوى من إثبات الحكم بالسنة، والسنة المتواترة أقوى من الآحاد. وقل مثل ذلك.
حينئذٍ قوة الدليل من حيث هو لا تقتضي أن يُعطى خصيصة، بحيث كلما عورض مع غيره قلنا هذا أقوى لا، وإلا سلكنا مسلك أهل البدع.
فنقول: كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وصح به السند، حينئذٍ نقول: من حيث إثبات الأحكام الشرعية فهو حجة شرعية.
فإذا حصل تعارض الأصل فيه الجمع، ولا نقول هذا متواتر وهذا آحاد، فالمتواتر مقدم على الآحاد.
كذلك لا نقول: هذا قول والقول أقوى من الفعل، فنقدم القول مطلقًا على الفعل، نقول: هذا كمن قدم المتواتر على الآحاد مطلقًا، لا فرق بينهما، لماذا؟
لأن المتواتر أقوى من الآحاد ولا إشكال في ذلك.
كذلك: القول أقوى من الفعل ولا ننازع في هذا، أن القول أقوى من الفعل لاحتمال الفعل، لكن لا يلزم منه أن تكون تلك قاعدة هي الأصل، فكلما حصل تعارض قلنا: القول هذا يخاطب به الأمة، والفعل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. هذا تأصيل فاسد وليس بصواب.
وحال الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك، أنهم لا يفرقون البتة بين فعله وقوله عليه الصلاة والسلام، فهما سيّان في مرتبة واحدة عند أخذ الأحكام الشرعية، فإن حصل التعارض إن أمكن الجمع فهما ولا يُعدل عنهما البتة.
قال هنا: {وَحَيْثُ عَلِمْتَ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ} (لاَ فِي فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ) يعني: لا تعارض بين فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله.
(حَيْثُ) هذا تقييد، هنا قيده يعني: قد يكون، لكن متى لا يكون التعارض؟
(حَيْثُ لاَ دَلِيلَ عَلَى تَكَرُّرٍ وَلَا تَأَسٍّ وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ) بهذه ضوابط، لم يدل دليل على التكرر، ولم يدل الدليل على التأسي. إذًا: والقول خاصٌ به، وتأخر يعني: القول عن الفعل.