فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 1890

بل كون ذلك في وقت واحد ربما لا يتصور. يعني: الاتفاق بالأفعال دون كلام هل هو متصور أم لا؟ وإذا تُصور هل هو واقع أم لا؟ وهل له مثال أم لا؟ وإنما هي مسائل عقلية يبحثها الأصوليون في هذا الموضع، وإلا الأصل في الحكم الشرعي هو القول، إما أن يقول الجميع، وإما أن يقول البعض ويسكت الآخرون، وأما وجود إجماع بالفعل فحسب إنما هو من باب التقسيم العقلي، ولذلك ذكر بعضهم أنه لا يتصور، وإن تصور أين مثاله؟ أن يقال: أجمع الصحابة على حكم كذا، لماذا؟ لأنهم فعلوه، ولم يُنقل عنهم قولٌ البتة، هل له مثال؟ الجواب: لا، ليس له مثال، وإنما هي مسائل يذكرها أهل الأصول في هذا الموضع.

ولذلك قيل: {وَقِيلَ: لاَ يَنْعَقِدُ الإجماع بِذَلِكَ} .

بل كون ذلك في وقت واحد ربما لا يُتصور. يعني: الاتفاق بالأفعال دون الأقوال.

أو أن يفعل البعض ويسكت الآخرون. هذا أقرب إلى الوجود من سابقه.

قال: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ: إِذَا فَعَلُوا فِعْلًا قُرْبَةً وَلَكِنْ لاَ يُعْلَمُ هَلْ فَعَلُوهُ وَاجِبًا أَوْ مندوبًا؟

مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم من أفعاله أنه قد يظهر فيه قصد القربة، ولا تعلم صفة الفعل. ما حكمه؟ مر معنا أنه واجبٌ عليه وكذلك الاتباع.

قالوا: كذلك لو فعَل أهل الإجماع .. فعلوا فعلًا وظهر فيه قصد القربة، فحكمهم حكم النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كذلك قلت لكم فيما مضى أن هذا إنما هو افتراض عقلي وإلا لا وجو له.

إذا فعلوا فعلًا قربة ولكن لا يُعلم هل فعلوه واجبًا أو مندوبًا؟

فَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ: أَنَّهُ كَفِعْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ومر معنا أنه واجب علينا وعليه كما تقدم، فيما لم نعلم أو تُعلم صفته ما قصد القربة.

قال: لأِنَّا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ, كَمَا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم.

هذا ما يتعلق بالحد، وثَم حدود كثيرة عند أهل العلم، والمسائل المتفرعة على هذا الباب إنما تؤخذ من الحد، وسيأتي ذكرها في محلها.

{وَأَنْكَرَ النَّظَّامُ وَبَعْضُ الرَّافِضَةِ ثُبُوتَ الإجماع} يعني: أنه لا يوجد شيءٌ اسمه إجماع.

{وَرُوِيَ عَنْ الإِمام أَحْمَدَ رحمه الله تعالى} ما ظاهره ذلك .. أنه أنكر الإجماع، يعني: لا وجود للإجماع.

وفي رواية عبد الله قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: من ادعى الإجماع فقد كذب، لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر الِمرِّيسي والأصم. هذه رواية واضحة بينة أنه يمكن الإجماع.

وفي رواية المروذي: كيف يجوز أن يقول: أجمعوا؟ إذا سمعتهم يقولون: أجمعوا فاتهمهم. يعني: لا إجماع.

وفي رواية أبي الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع، وأول من قال أجمعوا ضرار. وهو ضرار ابن عمرو القاضي جبريٌ يُنكر عذاب القبر تتلمذ على واصل بن عطاء ونُسب للمعتزلة.

إذًا: هذه ثلاث روايات عن الإمام أحمد: رواية ابنه عبد الله، والمروذي، ورواية أبي الحارث، وكلها ثابتة عنه رحمه الله تعالى تدل على أن الإجماع لا وجود له البتة، ولكن الأصحاب اختلفوا في حمل هذه الروايات؛ لأنه في مواضع احتج بالإجماع .. اتفاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت