حينئذٍ اختلفوا في صفة حمل هذه الروايات، فُحمل على الورع .. أن يتورع أن يدّعي الإجماع؛ لأن الإجماع فرع العلم بعدم الخلاف، وهذا إنما يؤتيه من كان واسع الاطلاع على كلام أهل العلم.
فيعلم حينئذٍ أنه يستقرئ بنفسه فينظر في أحوال الفقهاء ولم يجد مخالفًا، أو يجد أنهم نقلوا الاتفاق بالنطق فحينئذٍ يحكي الإجماع. وهذا لا يصل إليه كل أحد، وإنما يتورع الفقيه أن يقول أجمعوا على كذا ولا يكون ناقلًا عن غيره، لو كان ناقلًا عن غيره وهو يُحسن ذلك لا إشكال فيه، لكن أن يحكي الإجماع بنفسه، ولا شك أن زمن الإمام أحمد في أول القرون، بمعنى: هل في زمنه هناك من يحكي الإجماع .. يستقرئ وينظر في أقوال الصحابة؟ هذا يحتاج إلى من تمكن في معرفة الخلاف والاتفاق. فيتورع عن أن يحكي إجماعًا لذلك.
إذًا: {حُمِلَ عَلَى الْوَرَعِ, أَوْ عَلَى غَيْرِ عَالِمٍ بِالْخِلاَفِ} الذي لا يعلم الخلاف لا يحل له أن يقول: أجمعوا.
قال القاضي: ظاهره منع صحة الإجماع. يعني ما مر معنا، وإنما هذا على الورع أو فيمن ليست له معرفة بخلاف السلف.
وكذا أجاب أبو الخطاب وحمله ابن عقيل على الورع، أو لا يحيط علمًا به غالبًا.
وحمله ابن تيمية على العام النطقي، يعني: الأقوال. من ادعى الإجماع فقد كذب يعني: الإجماع القولي، وهو عزيز.
قال تقي الدين -الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى-: هذا نهيٌ عن دعوى الإجماع العام النطقي أو على بعده. أنه بعيد.
قال الشيخ تقي الدين: الظاهر إمكان وقوعه -الإمكان العقلي- وأما إمكان العلم به فأنكره غير واحد من الأئمة كما يوجد في كلام أحمد وغيره.
إذًا: النظر في الإجماع في مرتبتين: هل هو ممكن عقلًا أم لا؟ ثُم إذا أمكن، هل هو واقع أم لا؟ ثَم مسألتان.
أما كونه ممكنًا فلا إشكال فيه أنه يُمكن ذلك، لكن هل هو واقع أم لا؟ حينئذٍ يُنظر في العصر الذي يُنسب إليه الإجماع: هل هو عصر الصحابة أو من بعدهم؟
ولا شك أن عصر الصحابة الإجماع فيه ممكن ولا إشكال فيه، أما من بعد الصحابة الإجماع فيه متعذر، سواء كان من التابعين أو مَن بعدهم، وهو قول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الإجماع محصور في زمن الصحابة. وهو الظاهر.
{أَوْ عَلَى تَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ الْكُلِّ} قال ابن حمدان: مراد أحمد تعذر معرفة كل المجمعين لا أكثرهم، أو على غير الصحابة؛ لحصرهم وانتشار غيرهم.
وقال البرماوي: وحمَل ابن تيمية قوله ذلك على إجماع غير الصحابة. يعني: من ادعى الإجماع فقد كذب -يعني: إجماع غير الصحابة-؛ لأنه لا يمكن أن يتوصل إليه المجتهد البتة، أما الصحابة فهم محصورون، يمكن حصرهم والنظر في أقوالهم.
وهو أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. شيخ الإسلام له قولان: قولٌ أن الإجماع في عهد الصحابة فحسب، أما التابعون ومن بعدهم فلا.
والقول الثاني: أنه في القرون المفضلة .. الصحابة والتابعون وأتباع التابعين.
والأول أقوى من حيث الوقوع.
{أَوْ عَلَى غَيْرِ الصَّحَابَةِ لِحَصْرِهِمْ وَانْتِشَارِهم} قال البرماوي: وحمل ابن تيمية قوله ذلك على إجماع غير الصحابة لانتشارهم، أما الصحابة فمعرفون محصورون. وهذا أقرب الأقوال والله أعلم.