فهرس الكتاب

الصفحة 704 من 1890

وقال الشيخ تقي الدين: قلت الذي أنكره أحمد دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة؛ لأن الصحابة انتشروا، وكذلك الأقوال انتشرت عنهم واتسعت الأمة، أو بعدهم وبعد التابعين، أو بعد القرون الثلاثة المحمودة. هذا القول الثاني لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهما أقرب الأقوال إلى مسألة إمكان الإجماع وعدمه.

قال رحمه الله تعالى: (وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ بِالشَّرْعِ) .

(وَهُوَ) أي: الإجماع (حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ بِالشَّرْعِ) .

هنا ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: الإجماع ممكن؛ لأنه لا يكون حجة إلا إذا أمكن الإجماع. الإجماع ممكن -يعني: عقلًا- خلافًا لمن أحاله كالنظّام كما مر معنا.

ولمن قال بإمكانه لكن لا على سبيل الاطلاع عليه؛ لتعذر الإحاطة بأقوال الخلق. يعني: هناك من قال أنه يستحيل إمكان الإجماع وهو قول النظّام، هناك من قال بإمكانه لكنه لم يقع لا في زمن الصحابة ولا من بعدهم، فثَم قولان فيما يتعلق بإمكان الإجماع.

هناك من أنكر وأحال الإجماع أصلًا، وهناك من أمكنه عقلًا لكنه لا يوجد في الواقع، بمعنى أن إجماع الصحابة وهو أقرب العصور فيما يمكن أن يُدعى فيه الإجماع كذلك لا يمكن على هذا القول.

المسألة الثانية: إذا ثبت إمكانه فهو حجة خلافًا لمن قال بتصوره وأنكر حجيته، والصحيح: أنه حجة لله تعالى في شريعته، وقد تظافرت أدلة الشرع من الكتاب والسنة على ذلك. كما سيأتي.

ومنهم من احتج عليه بطريق العقل، ومنهم من احتج بالعادة.

يعني: كونه حجة هل هو ثابتٌ من جهة الشرع، أو من جهة العقل، أو من جهة العادة؟ نقول: بالشرع.

ولذلك قال المصنف: (حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ بِالشَّرْعِ) يعني: لا بالعقل.

المسألة الثالثة: إذا قلنا إنه حجة فهل هو حجة قطعية بحيث نكفر أو نضلل مخالفه، أو حجة ظنية بحيث لا يترتب عليه تكفير؟ فرقٌ بين القطع والظن مسألة التكفير، هل هو حجة قطعية أو ظنية؟

فذهب الأكثرون إلى الأول .. إلى أنه حجة قطعية.

وذهب الآمدي والرازي إلى الثاني.

وفصّل بعضهم كالتاج السُبكي في الجمع، وهو إما أن يتفق المعتبَرون على كونه حجة إجماعًا أو لا، يعني: إذا ثبت كونه بالفعل إجماعًا ثم الإجماع قولي فهو قطعي.

يعني: يُكفَّر مخالفه أو يُضلل، فإن اتفقوا على أنه إجماع فهو حجة قطعية، وإن اختلفوا في الشيء هل هو إجماعٌ أم لا؟ فهو حجة ظنية.

الإجماع السكوتي مختلف فيه: هل هو إجماع أم لا؟

حينئذٍ يكون مفاده أنه إن ثبت أنه إجماع فهو إجماع ظني لا قطعي.

وكذلك الذي ندري مخالفَه لا يكون إجماعًا قطعيًا، يعني: إذا وجد خلافٌ ولم يُعتبر بهذا الخلاف، وحصل إجماع، حينئذٍ نقول: درينا المخالف، هذا الإجماع لا يكون قطعيًا وإنما يكون ظنيًا، وهذا كله بناءً على إمكان الإجماع بعد عصر الصحابة.

(وَهُوَ حُجَّةٌ) هذا أولًا.

(قَاطِعَةٌ) هذا ثانيًا.

(بِالشَّرْعِ) هذا ثالثًا.

يعني: (حُجَّةٌ) هذا ردًا على من لم يحتج به، و (حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ) ردًا على من احتج به على جهة الظن، (بِالشَّرْعِ) يعني: لا بالعقل ولا بالعادة.

أَيْ بِدَلِيلِ الشَّرْعِ كَوْنُهُ حُجَّةً قَاطِعَةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت