يعني: إثبات الإجماع بالسنة أقرب من إثبات الإجماع بالقرآن، ولذلك الآيات الماضية كلها عليها اعتراضات موجودة في المطولات، وأما السنة فهي واضحة بينة في نفي الاجتماع على الضلالة، وفي مجموعها مفيدة للتواتر المعنوي.
{وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا -من جهة النظر- لِكَوْنِهِ حُجَّةً قَاطِعَةً: بِأَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ إجْمَاعَ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ عَلَى قَطْعٍ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ اطِّلاَعٍ عَلَى دَلِيلٍ قَاطِعٍ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ} .
يعني: عادة أنه لا يمكن أن يجتمع المجتهدون الذين بلغوا في العلم مبلغه أن يجتمعوا على حكم ثُم الحكم هذا لا يكون عليه دليل من الشرع، العادة تحيل ذلك أو تبعده على أقل الأحوال ... أن يجتمع مجتهدوا الأمة الذين هم العلماء الذين زكاهم الله تعالى أن يجتمعوا على حكم شرعي، ثم يكون هذا الحكم الشرعي لا أصل له في الشريعة.
{فَوَجَبَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ تَقْرِيرُ نَصٍّ قَاطِعٍ فِيهِ, وَلأِنَّ الإجماع مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ. فَكَانَ قَاطِعًا, وَإِلاَ تَعَارَضَ الإجماعانِ لِتَقْدِيمِ الْقَاطِعِ عَلَى غَيْرِهِ إجْمَاعًا} .
قال رحمه الله تعالى: (وَيَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) يعني: نقلُ الإجماع هل يشترط فيه التواتر أم لا؟ إذا كان الإجماع حجة قاطعة بالشرع، إذا نُقل الإجماع بأن الصحابة أجمعوا على كذا أو التابعين أجمعوا على كذا. هل يشترط في هذا النقل التواتر، أم أنه يكفي فيه خبر الواحد؟ الصحيح الثاني، أنه يكفي فيه خبر الواحد ولا يشترط فيه عدم التواتر، ولذلك قال: ويثبت الإجماع وهو كون هذا الحكم مجمعًا عليه بخبر الواحد العدل؛ لأن هذه المسألة شرعية، طريقها طريق بقية مسائل الفروع التي يكفي في ثبوتها الظن، فالمنقول بالآحاد حجة ولا إشكال في ذلك؛ لأن الإجماع من جملة الأدلة الشرعية، فلا يشترط التواتر في نقله قياسًا على نقل السنة، كما أن السنة لا يُشترط في نقلها التواتر، بل متى ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل فهو ثابت، ولا يشترط فيه التواتر، كذلك الإجماع، بل الإجماع فرعٌ عن السنة.
وخالف الأكثرون، فشرطوا التواتر في نقله محتجين بأن: إنما عملنا بخبر الواحد لإجماع الصحابة عند نقل العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يعني: فرق بين نقل السنة وبين نقل الإجماع، نقل السنة هذا لإجماع الصحابة، أنهم اكتفوا بنقل العدل عن العدل، فلما وجد إجماع الصحابة في السنة، حينئذٍ سوغنا نقل الواحد عن الواحد في السنة، ونحتاج إلى دليل منفصل في باب الإجماع.
أما إذا نُقل الإجماع بطريق الآحاد فلا يجوز أن يُستند إليه إلا بالقياس على محل الإجماع، ولا يُتعبد بالقياس في قواعد الشريعة؛ لأنك إنما جوّزت نقل الواحد عن الواحد في باب الإجماع قياسًا على السنة، والقياس يفيد الظن، فحينئذٍ لا نلجأ إليه.
على كلٍ: الصواب هو الأول، وإنما هذا هو تعليل فحسب.
إذًا: {يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ} على الصحيح، ولا يُشترط فيه التواتر؛ لأن الإجماع دليل شرعي والسنة دليل شرعي، وحينئذٍ لا فرق بينهما البتة، وتساويا في النقل.