ولأنه صار بخلافه جاحدًا لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم. هذا المعلوم من الدين بالضرورة، ولا خلاف بين أهل العلم في أن منكر ذلك يعتبر كافرًا مرتدًا عن الإسلام، وإن كان بعضهم يقيد ذلك باستثناء حديث عهدٍ بالإسلام، ومن كان الجهل مطبقًا في زمنه كمن يعيش في ريفٍ ونحوه، قالوا: هذا إذا لم يصله العلم الشرعي ولو بذل ما في وسعه لم يصل، هذا يُعتبر مستثنًى ولا يُنزّل عليه الحكم مباشرة.
قال: ومعنى كونه معلومًا بالضرورة: أن يستوي خاصة أهل الدين وعامتهم في معرفته حتى يصير كالمعلوم بالعلم الضروري.
يعني: أشبهت العلوم الضرورية، في عدم تطرق الشك إليه، لا أنه يستقل العقل بإدراكه فيكون علمًا ضروريًا، وذلك كأعداد الصلوات، وركعاتها، والزكاة، والصيام، والحج، وتحريم الزنا، والخمر، والسرقة .. كل ذلك ونحوها من المعلوم من الدين بالضرورة، وانظر! لم يمثّل المصنف هنا بالتوحيد والشرك؛ لأن هذا لا يدخل العذر البتة، وإنما العذر يكون فيما هو دون ذلك كالصلوات الخمس وما يتعلق بالركعات، أو القراءة أو الوضوء أو الطهارة الكبرى والصغرى، أما التوحيد والشرك فهما لا يدخلهما العذر بالجهل البتة، هذا يستثنى مما ذكرته سابقًا.
إذًا: هذه المسألة الأولى والقسم الأول: المعلوم من الدين بالضرورة.
الثاني: ألا يبلغ رتبة الضروري، بل هو أدنى من ذلك. ما لم يكن معلومًا من الدين بالضرورة، ولكن منصوص عليه مشهور عند الخاصة والعامة .. يعني: جاء النص عليه ولم يبلغ شهرته شهرة الصلوات والزكاة والصوم والحج، لكنه دون ذلك.
فيشاركه القسم الأول في كونه منصوصًا ومشهورًا، ويخالفه من حيث إنه لم ينته إلى كونه ضروريًا في الدين، فيكفر به جاحده أيضًا كالسابق.
المنصوص عليه الذي لم يقع فيه نزاع وإن لم يكن معلومًا من الدين بالضرورة، من جحده فهو كافر مرتد عن الإسلام.
النوع الثالث: ما لم يكن منصوصًا عليه .. لم يرد فيه النص، لكنه بلغ مع كونه مجمعًا عليه في الشهرة مبلغ المنصوص، بحيث تعرفه الخاصة والعامة، فهذا أيضًا يكفر منكره في أصح قولي العلماء؛ لأنه يتضمن تكذيبهم تكذيب الصادق؛ لأن الجحد هنا فيه تكذيب للشرع، وقيل: لا يكفر؛ لعدم التصريح بالتكذيب، هذا الثالث فيه قولان، والصواب: أنه يكفر.
الرابع: ما لم يكن منصوصًا عليه ولا بلغ في الشهرة مبلغ المنصوص بل هو خفي، يعني: لا يعرفه إلا الخاصة.
كـ {إنْكَارِ اسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الاِبْنِ السُّدُسَ مَعَ الْبِنْتِ} . هذا إجماع، لكن لا يعرفه العوام، لو أنكره حينئذٍ لا يكفر بمجرد إنكاره، لكن تقام عليه الحجة، فإن أصر كفر. هذا دائمًا يقال فيه الخفي.
{وَتَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا} مثلًا، هذا قد يخفى على العامة.
{أَوْ خَالَتِهَا، وَإِفْسَادُ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَنَحْوُ ذَلِكَ} .
كل هذا مجمع عليه، قد لا يكون في بعضه نصوص، وقد لا يكون مشهورًا عند العامة، لكن إذا أنكره ابتداء لا يكفر، ولكن إذا أُقيمت عليه الحجة .. بُيِّنَ له ذلك، فإن أصر كفر، ليس مرادهم هنا أنه لا يكفر مطلقًا ولو أقيمت عليه الحجة لا، وإنما إذا أقيمت عليه الحجة كفر.