أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إجْمَاعٌ؛ لأَنَّهُمْ أَهْلُ الْعَصْرِ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ وهو الصحيح.
قال: {لأَنَّ الصِّدِّيقَ جَلَدَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى ثَمَانِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَجْعَلُوا الْمَسْأَلَةَ إجْمَاعًا؛ لأَنَّ الْخِلافَ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ. وَقَدْ مَاتَ مِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ بَعْضٌ، وَرَجَعَ بَعْضٌ إلَى قَوْلِ عُمَرَ} .
إذًا: لو مات بعض القائلين لا يُعتبر قول الباقين إجماعًا، وكذلك لو رجع لا يُعتبر إجماعًا، وكذلك لو ارتد لا يُعتبر إجماعًا. فهي على ظاهرها.
قال: (وَاتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ وَقَدْ اسْتَقَرَّ إِجْمَاعٌ) .
هذه هي عين المسألة السابقة إذا لم نُصوِّر المسألة في عصرين، يعني: عدم استقرار الخلاف. صوره فيما سبق في عصرين، ونحن قلنا: هذا لا يتصور.
ولذلك مثّل بقتال مانعي الزكاة، وكذلك دفن النبي صلى الله عليه وسلم. اختلفوا ثم استقر، ثم أجمعوا.
حينئذٍ نقول: هذا إنما يكون في زمن واحد، هو أراده في عصرين، والمسألة هذه: (وَاتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ) واحد (بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ) اختلفوا ابتداء ثم اتفقوا.
(وَقَدْ اسْتَقَرَّ) اختلافهم، هل هو إجماع، نقلو: نعم هو إجْمَاعٌ، كما لو اختلف الصحابة على قولين ولم يمت أحد منهم -بهذا القيد-: لم يمت منهم أحد، حينئذٍ إذا اتفقوا على أحد القولين يكون إجماعًا ولا إشكال فيه، لكن لو مات بعضهم حينئذٍ جاءت المسألة السابقة.
(وَاتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ وَقَدْ اسْتَقَرَّ) يعني: الخلاف (إِجْمَاعٌ) .
يعني: إذا اختلف أهل العصر على قولين ومضوا على ذلك، فهل يجوز لأهل ذلك العصر بعينهم بعد استقرار الخلاف الاتفاق على أحد القولين والمنع من المصير إلى القول الآخر؟ فيه خلاف مبنيٌ على اشتراط انقراض العصر.
فإذا اشترطناه جاز قطعًا وإلا ففيه خلاف. والظاهر: أنه إن لم يمت أحد من أرباب القول الآخر فإجماع وإلا فلا.
يعني: لو مات بعضهم فحينئذٍ نقول: لا يقع الإجماع؛ لأن من مات قوله باق وهو مخالف، وإما إذا لم يمت أحد. فحينئذٍ لا إشكال في كونهم إذا اتفقوا صار إجماعًا.
قال: إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُسْتَنَدُ قَطْعِيًّا كَانَ إجْمَاعًا وَحُجَّةً، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَنَدُ ظَنِّيًّا فَلا.
والتفريق بين المستند قطعيًا وظنيًا لا أصل له، وإنما العبرة بالاتفاق ولو كان الخلاف في عين المستند ظنًا وقطعًا.
{وَخَالَفَ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَالآمِدِيُّ وَجَمْعٌ، وَقَالُوا بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ لِتَنَاقُضِ الإِجْمَاعَيْنِ. وَهُمَا الاخْتِلافُ أَوَّلًا ثُمَّ الاتِّفَاقُ ثَانِيًا، كَمَا إذَا كَانُوا عَلَى قَوْلٍ فَرَجَعُوا عَنْهُ إِلَى آخَرَ} .
إلى آخر ما ذكره.