فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 1890

على كلٍّ: هنا النظر في أنه حصل الاتفاق بعد استقرار الخلاف، وإن لم يمت منهم أحد فهو إجماع ولا إشكال فيه، سواء قلنا بكون انقراض العصر شرطًا أو لا، وعلى ما صحح سابقًا أن انقراض العصر ليس شرطًا كذلك يكون إجماعًا؛ لأنهم لم يتفقوا، لم ينقض الإجماع الثاني إجماعًا سابقًا، وإنما هو إجماع أول.

قال: (وَلَا يَصِحُّ تَمَسُّكٌ بِإِجْمَاعٍ فِيمَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ) .

(وَلا يَصِحُّ تَمَسُّكٌ بِإِجْمَاعٍ فِيمَا تَتَوَقَّفُ) يعني: في مسائل تتوقف (صِحَّتُهُ) أَيْ: صِحَّةُ الإِجْمَاعِ (عَلَيْهِ) اتفاقًا.

قالوا: (كَوُجُودِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) لا يُستدل عليه بالإجماع؛ لأن الإجماع مستنده الكتاب والسنة، والكتاب والسنة متوقفان على وجود الباري .. يلزم منه الدور، إذًا: لا تقول: الله موجود بالإجماع؛ يلزم منه الدور، لأن الإجماع ما الذي دل عليه أنه حجة؟ الشرع، والشرع متوقفٌ على وجود الباري. إذًا: لا يصح الاستناد إلى ذلك.

(وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ) كذلك، لا تقول: النبي صلى الله عليه وسلم رسول بالإجماع؛ لأن الذي دل على أن الإجماع حجة هو كذلك السنة، والسنة فرع صحة الرسالة. حينئذٍ يلزم منه الدور.

قال: (كَوُجُودِهِ تَعَالَى وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ) {وَدَلالَةِ الْمُعْجِزَةِ، لاسْتِلْزَامِهِ عَلَيْهِ لُزُومَ الدَّوْرِ} .

وهذا في العقل؛ لأن هذه المسائل إنما هي عقليات عند أرباب الكلام. فيستدل بالإجماع فيما لا تتوقف صحته على الإجماع، أما ما تتوقف صحته على الإجماع فلا.

يعني: لا يُستدل بالإجماع على ثبوت الباري جل وعلا، لكن على حدوث العالم؟ قالوا: نعم؛ لأن حدوث العالم لم يدل عليه الشرع، وحينئذٍ صار منفكًا، وإنما دل عليه العقل، فيُستدل بالإجماع على العقليات لا على أصول الشرعيات.

كحدوث العالم ووحدة الصانع؛ لجواز معرفة هذين قبل معرفة الإجماع، أي: قبل الشرع.

وأما ما يتوقف إثباته على إثباته فلا يستدل به كإثبات وجوده سبحانه، وصحة الرسالة فإن الإجماع يتوقف على ذلك وإلا لزم الدور.

يعني: لأن الإجماع إنما ثبت بالشرع، والشرع مأخوذ من الكتاب والسنة، وهما موقوفان على إثبات الباري وصدق الرسالة، وهما دلاَّ على حجية الإجماع.

قال: (وَيَصِحُّ فِي غَيْرِهِ) يعني: وَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالإِجْمَاعِ فِي غَيْرِهِ أَيْ: غَيْرِ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الإِجْمَاعِ عَلَيْهِ:

مِنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ كَالرُّؤْيَةِ وَكَنَفْيِ كَالرُّؤْيَةِ الشَّرِيكِ وَوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا.

(نفي الشريك) هذا يمكن نفيه بالإجماع؛ لأن العقل يدل على ذلك .. العقل يدل على نفي الشريك، كما أن الشرع يدل على نفي الشريك، لكن قوله: {كَالرُّؤْيَةِ} هذا يحتاج إلى .. ، (وَيَصِحُّ فِي غَيْرِهِ) يعني: التمسك بالإجماع في أَمْرٍ دِينِيٍّ كَالرُّؤْيَةِ، الرؤية مما يثبت بالإجماع الشرعي؛ لأن مرده إلى السمع.

{وَكَنَفْيِ الشَّرِيكِ} كذلك يُستدل عليه بالإجماع؛ لأن نفي الشريك ليس هو إثبات الباري وإنما هو لازم له، واللزوم هنا من جهة العقل والشرع، فيستدل بالإجماع عليه من جهة دلالته على العقل، ولا إشكال في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت