يعني: لم يوجد قبل اللفظ، وإنما وجد مع اللفظ أو بعده نَحْوُ: بِعْتُ وَاشْتَرَيْت وَأَعْتَقْت وَطَلَّقْت وَفَسَخْت وَنَحْوِهَا مِمَّا يُشَابِهُ ذَلِكَ، مِمَّا تُسْتَحْدَثُ بِهَا الأَحْكَامُ -يعني: توجد-؛ فهي أخبار في الأصل. جئنا إلى الأصل.
أخبار في الأصل؛ لأنها فعل ماضي، كلها أفعال ماضية: بعت، واشتريت، وطلقت، ووهبت .. كلها إخبار عن أشياء وقعت، هي في الأصل أخبار.
ولكن لما استعملت في الشرع في معنى الإنشاء اختُلف فيها.
لما استُعملت في الشرع في معنى الإنشاء. يعني: في إنشاء العقود وفسخها. اختُلف فيها: هل هي باقية على أصلها من الإخبار أو نُقلت؟
فأصحابنا والأكثر على الثاني -أنها نقلت-. يعني: كانت أخبارًا واستعملت في الإنشاء. فجُردت عن معنى الخبر، والحنفية على الأول .. أنها باقية على أصلها.
إذًا: محل الخلاف هنا .. هذه المسألة: هل هذه الألفاظ التي هي صيغ العقود وفسخ العقود باقية على أصلها لأنها في الأصل هي أخبار؟ هذا محل وفاق.
لكن هل نُقلت أم لا؟ الجمهور على أنها نُقلت، والأحناف على أنها لم تُنقل.
فعندهم -عند الأحناف- {أنَّ صِيَغَ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ لَيْسَتْ بِإِنْشَاءٍ، وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا مِنْ الإِخْبَارِ} عن ثبوت الأحكام. وأين الحكم؟ إذا قال: بعت. أين الحكم؟
قال هنا: لا. فيه شيءٌ سابق، وهو ما الأصل في البيع؟
قالوا: الأصل في البيع وركنه الأعظم هو الرضا. فإذا وقع الرضا كان أولًا، فإذا قلت: بعت أخبرت عن هذا الرضا. إذًا: فيه سابق .. باق على أصله.
قال: {وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا مِنْ الإِخْبَارِ} عن ثبوت الأحكام.
{فمَعْنَى قَوْلِك: بِعتُكَ. الإِخْبَارُ عَمَّا فِي قَلْبِك. فَإِنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ هُوَ التَّرَاضِي. فَصَارَ بِعْت وَنَحْوُهَا: لَفْظًا دَالاًّ عَلَى الرِّضَى بِمَا فِي ضَمِيرِك} . وعلى هذا هو خبرٌ أو إنشاء؟ هو خبر وليس بإنشاء. إذا كان المراد به الإخبار عما في الضمائر من الرضا صار إخبارًا.
فَيُقَدَّرُ وُجُودُهَا قَبْلَ اللَّفْظِ لِلضَّرُورَةِ.
وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا. وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ.
وَدَلِيلُ الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ: أنه لو كان خبرًا لكان إما عن ماض أو حال أو مستقبل.
لو كان خبرًا إما عن شيءٍ وقع في الزمن الماضي، أو في الزمن الحال، أو في الزمن المستقبل.
"والأولان"يعني: عن الماضي أو الحال باطلان؛ لِئَلاَّ يَلْزَمَ أَنْ لا يَقْبَلَ الطَّلاقُ وَنَحْوُهُ التَّعْلِيقَ. وبالإجماع أن الطلاق يقبل التعليق.
فلو جعلنا هذه دالة على الزمن الماضي أو الحال. حينئذٍ انتفى تعليق الطلاق.
{لأَنَّهُ يَقْتَضِي} -يعني: التعليق- {تَوَقُّفَ شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ} .
هذا شأن التعليق، إن فعلت كذا ترتب عليه كذا.
{وَالْمَاضِي وَالْحَالُ قَدْ وُجِدَا} وإنما التعليق يكون في ماذا؟
الجزاء والشرط دائمًا يكون في المستقبل: إن جاء زيدٌ أكرمته. متى؟ في الزمن المستقبل. ليس في الماضي ولا في الحال.