فهرس الكتاب

الصفحة 768 من 1890

{وَإِنَّمَا اُخْتِيرَ الْقَوْلُ الأَوَّلُ} (إِنْشَاءٌ تَضَمَّنَ إِخْبَارًا) يعني: الأقوال الثلاثة لها قوة، القول بأنها إخبار محضٌ هذا له قوة وهو قول أهل اللغة عامة. والقول بأنها إنشاء محض له قوته كذلك، فحينئذٍ توسط المصنف قال: (إِنْشَاءٌ تَضَمَّنَ إِخْبَارًا) جمعًا بين القولين.

ولذلك قال: وَإِنَّمَا اُخْتِيرَ الْقَوْلُ الأَوَّلُ لاضْطِرَابِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ. فَقَائِلٌ بِأَنَّهَا إخْبَارٌ. كَمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَقَائِلٌ بِأَنَّهَا إنْشَاءٌ؛ لأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ تَكْذِيبٌ شَرْعًا.

فَالْقَائِلُ بِالثَّالِثِ رَأَى أَنَّ كُلاًّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لَهُ وَجْهٌ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا.

وَقَالَ الْكُورَانِيُّ: إذَا أَرَدْت تَحْقِيقَ الْمَسْأَلَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ دَلالَةَ الأَلْفَاظِ إنَّمَا هِيَ عَلَى الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالنَّفْسِ.

يعني: مدلول الألفاظ يكون شيئًا في الذهن قائم بالنفس، وهو كذلك، لكنه ليس منفصلًا عنه، حينئذٍ وُضع اللفظ لما في الصورة الذهنية كما مر معنا في اسم الجنس وغيره.

قال: {فَإِنْ أُرِيدَ بِالْكَلامِ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ النِّسْبَةَ الْقَائِمَةَ بِالنَّفْسِ مُطَابِقَةٌ لأُخْرَى خَارِجِيَّةٍ فِي أَحَدِ الأَزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ. فَالْكَلامُ خَبَرٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْخَارِجِيَّةُ قَائِمَةً بِالنَّفْسِ أَيْضًا، كَعَلِمْتُ وَظَنَنْتُ. أَوْ بِغَيْرِهِ كَخَرَجْتُ وَدَخَلْت، وَإِنْ لَمْ يُرَدْ مُطَابَقَةُ تِلْكَ النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ لأُخْرَى خَارِجِيَّةٍ فَالْكَلامُ إِنْشَاءٌ} .

يعني: دلالة الألفاظ موضوعة لما في النفس، إن أُريد ما في النفس أن يكون مطابقًا لشيء في الخارج فهو خبر وإلا فهو إنشاء.

وَإِنْ لَمْ يُرَدْ مُطَابَقَةُ تِلْكَ النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ لأُخْرَى خَارِجِيَّةٍ فَالْكَلامُ إنْشَاءٌ.

فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: أَشْهَدُ بِكَذَا. لا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أَنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ الْقَائِمَةَ بِنَفْسِهِ تُطَابِقُ نِسْبَةً أُخْرَى فِي أَحَدِ الأَزْمِنَةِ إذًا: لم يرد به خبرًا {بَلْ مُرَادُهُ الدَّلالَةُ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ ثُبُوتِ هَذِهِ النِّسْبَةِ. مِثْلُ: اضْرِبْ، وَلاَ تَضْرِبْ. فَهُوَ إنْشَاءٌ مَحْضٌ، وَلاَ يَرْجِعُ الصِّدْقُ وَلا الْكَذِبُ إلَيْهِ، وَكَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ خَبَرًا لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ إنْشَاءً مَحْضًا؛ لأَنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ مُسْتَقِلَّةٌ بِحُكْمٍ وأطرافه، وَلَوْ كَانَ كَوْنُ الشَّيْءِ مُتَضَمِّنًا لآخَرَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَحْضَ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَبْقَ إنْشَاءٌ مَحْضٌ قَطُّ؛ إِذْ قَوْلُك: اضْرِبْ. مُتَضَمِّنٌ لِقَوْلِك: الضَّرْبُ مِنْك مَطْلُوبٌ} إذًا: لا يكون إنشاء محضًا.

{أَوْ أَطْلُبُ الضَّرْبَ مِنْك. وَهَذَا مِمَّا لا يَقُولُ بِهِ عَاقِلٌ} .

هذه فائدة نفيسة، لكنه بنا قوله على أنه إنشاء محض، والمسألة فيها خلاف، والخلاف فيها مستساغ.

فَائِدَةٌ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت