ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فُرُوقًا بَيْنَ الْخَبَرِ وَالإِنْشَاءِ:
أَحَدُهَا: قَبُولُ الْخَبَرِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، بِخِلافِ الإِنْشَاءِ.
يعني يقال: هذا الكلام صدق، هذا كذب. وإن لم يقبل فهو إنشاء. يعني: تطبيق الحد السابق.
{الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ تَابِعٌ لِلْمُخْبِرِ عَنْهُ فِي أَيِّ زَمَانٍ كَانَ مَاضِيًا كَانَ أَوْ حَالًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا، وَالإِنْشَاءُ مَتْبُوعٌ} على ما مر سابقًا: يقع الشيء أولًا -الحدث الخارج- ثم تخبر عنه، وإن كان العكس تتكلم ثم يقع به أو بعده فهو إنشاء.
وَالإِنْشَاءُ مَتْبُوعٌ لِمُتَعَلَّقِهِ. فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الإِنْشَاءَ سَبَبٌ لِوُجُودِ مُتَعَلَّقِهِ اضرب هذا إنشاء. {سَبَبٌ لِوُجُودِ مُتَعَلَّقِهِ} وهو الضرب. إذًا: لولا اضرب ما وقع الضرب.
{فَيَعْقُبُ آخِرَ حَرْفٍ مِنْهُ أَوْ يُوجَدُ مَعَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْهُ عَلَى الْخِلافِ فِي ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ. وَلَيْسَ الْخَبَرُ سَبَبًا وَلاَ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ} ليس بينهما ارتباط.
يعني: الإنشاء مدلوله لا يوجد إلا باللفظ .. بعت واشتريت لا يوجد البيع إلا باللفظ، فلو لم يوجد اللفظ ما وجد، أما الخبر فلا، يوجد أولًا في الخارج ثم بعد ذلك يخبر عنه ولا علاقة بينهما.
{وَهَذِهِ الْفُرُوقُ رَاجِعَةٌ إلَى أَنَّ الْخَبَرَ لَهُ خَارِجٌ يَصْدُقُ أَوْ يَكْذِبُ} والإنشاء لا خارج له.
فائدة: سأل بعضهم أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيها الأمر والنهي والاستفهام، وأنواع التنبيه وغير ذلك.
وهذه إنشاءات أو إخبار؟ إنشاءات. سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيها أمر وفيها نهي، وفيها استفهام، وفيها أنواع التنبيه .. وغير ذلك. فكيف تسمى كلها أخبارًا، وهذه مقابلة لخبر؟ إيراد أم لا؟ نعم إيراد.
فيقال في الجواب: أخبار النبي صلى الله عليه وسلم كما أجاب الباقلاني بجوابين. اختر واحدًا منهما أو هما.
الأول: أن الكل أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الله تعالى، فيكون من حيث إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الله تعالى هي إخبار، ولو كانت إنشاءات في الأصل.
فأمره ونهيه وشبههما هو في الحقيقة خبرٌ عن حكم الله تعالى، وهذا واضح.
الثاني: أنها سميت أخبارًا لنقل المتوسطين، فهم يخبرون عمن أخبرهم إلى أن ينتهي إلى من أمره النبي صلى الله عليه وسلم أو نهاه، فإن ذلك يقول: أمرنا ونهينا، فحينئذٍ يكون الخبر عن المتكلم. والذي بعده يقول: أخبرنا فلان عن فلان بأنه صلى الله عليه وسلم أمر ونهى. حينئذٍ يكون باعتبار الطريق خبرًا، وباعتبار المنتهَى يكون إنشاءً.
أو ننظُر نظَر ما ذكره الأول وهو أولى: أن الأوامر أو النواهي من النبي صلى الله عليه وسلم هي إخبارات عن حكم الله عز وجل.
فبهذا الاعتبار هي أخبار لا إنشاء.
قال رحمه الله تعالى: (وَيَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ) يعني: الإنشاء (مُسْتَقْبَلٍ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَدُعَاءٌ وَتَرَجٍّ وَتَمَنٍّ) هو أقسام.
وَيَتَعَلَّقُ مِنْ قِسْمِ الإِنْشَاءِ بِمَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ اثْنَا عَشَرَ حَقِيقَةً.