أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَدُعَاءٌ وَتَرَجٍّ وَتَمَنٍّ هذه كلها تدل على الطلب، والطلب إنما يكون في المستقبل أمر: اضرب. وهذا في المستقبل، نهي: لا تضرب. هذا في المستقبل، (( يَا نُوحُ ) ) [هود:32] هذا في المستقبل، الترجي، التمني .. كله في المستقبل.
إذًا: هذه كلها الخمسة تدل على الطلب {وَطَلَبُ الْمَاضِي مُتَعَذِّرٌ، وَالْحَالُ مَوْجُودٌ، وَطَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ مُحَالٌ. فَتَعَيَّنَ الْمُسْتَقْبَلُ} .
(وَشَرْطٌ وَجَزَاءٌ) {لأَنَّ مَعْنَى هَاتَيْنِ الْحَقِيقَتَيْنِ رَبْطُ أَمْرٍ وَتَوْقِيفُ دُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ عَلَى وُجُودِ أَمْرٍ آخَرَ} إن جاء زيدٌ أكرمته، رتب وربط بين الإكرام والمجيء بوجودِ واحد على الآخر.
قال: {وَالتَّوَقُّفُ فِي الْوُجُودِ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ} .
(وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ) هذا واضح أنه يكون في المستقبل.
لأَنَّ الْوَعْدَ حَثٌّ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ فِيمَا تَتَوَقَّعُهُ النَّفْسُ مِنْ خَيْرٍ.
وَالْوَعِيدُ زَجْرٌ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ بِمَا تَتَوَقَّعُهُ النَّفْسُ مِنْ شَرٍّ. وَالتَّوَقُّعُ لاَ يَكُونُ إلاَّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ هذا كله في المستقبل.
(وَإِبَاحَةٌ) {وَذَلِكَ لأَنَّ الإِبَاحَةَ تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ. وَالتَّخْيِيرُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ} .
(وَعَرْضٌ) {نَحْوُ أَلاَ تَنْزِلُ عِنْدَنَا فَنُكْرِمَكَ} هذا مستقبل، واضح.
(وَتَحْضِيضٌ) {نَحْوُ: هَلاَّ تَنْزِلُ عِنْدَنَا فَنُكْرِمَك؛ لأَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا مُخْتَصٌّ بِالْمُسْتَقْبَلِ، لَكِنَّ التَّحْضِيضَ أَشَدُّ وَأَبْلَغُ مِنْ الْعَرْضِ} .
إذًا: اثنا عشر حقيقة من أقسام الإنشاء تتعلق بمعدوم مستقبل، لا تتعلق بالماضي ولا بالحال؛ لأن الماضي متعذر والحال موجود. فحينئذٍ يكون من تحصيل الحاصل وهو محال.
(فَصْلٌ: الْخَبَرُ إِنْ طَابَقَ فَصِدْقٌ وَإِلاَّ فَكَذِبٌ) .
رجع إلى التعريف السابق، لكن أراد أن يبين معنى الصدق ومعنى الكذب.
(الْخَبَرُ إِنْ طَابَقَ) يعني: إن طابق مدلوله ما في الخارج (فَصِدْقٌ) يعني: فهو صدق.
(وَإِلاَّ) {أَيْ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ الْوَاقِعَ فِي الْخَارِجِ} (فَكَذِبٌ) يعني: {فَهُوَ كَذِبٌ} .
فالخبر محصور في هذين القسمين لا يخرج شيءٌ عنهما ولا واسطة بينهما، وهذا هو الصحيح وعليه الأكثر: أنه ليس بينهما واسطة على الأصح.
فلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ مَعَ الصِّدْقِ، أَوْ عَدَمِهَا مَعَ الْكَذِبِ.
وَبَيْنَ أَنْ لا يَعْتَقِدَ شَيْئًا أَوْ يَعْتَقِدَ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ مَعَ وُجُودِهَا، أَوْ يَعْتَقِدَ وُجُودَهَا مَعَ عَدَمِهَا. فَلا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ.
يعني: العبرة بالمطابقة بالخارج، سواء طابق الاعتقاد أو لا، فحينئذٍ يكون صادقًا أو كاذبًا.
فلو قال: زيدٌ مسافرٌ وهو يعتقد أنه كذَب -أنه لم يسافر-، لكنه بالفعل طابق الواقع، صِدقٌ أم كذِب؟ هذا يعتبر صدقًا.
إذًا: لا عبرة بالاعتقاد سواء طابق أو لا، سواء كان في الصدق أو في الكذب، وهذه محل بسطها في علم البيان.
(وَيَكُونَانِ فِي مُسْتَقْبَلٍ كَمَاضٍ) .