فهرس الكتاب

الصفحة 771 من 1890

يعني: يكونان الصدق والكذب يوصف بهما الماضي ولا إشكال، وهل يوصف بالصدق والكذب المستقبل؟ هذا محل نزاع.

والصواب: أنه يوصف به .. أن يقال في المستقبل أنه كاذبٌ، وسيأتي أمثلته من الكتاب.

(وَيَكُونَانِ) {أَيْ: الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ} .

(فِي مُسْتَقْبَلٍ) يعني: {فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ كَمَا يَكُونَانِ فِي زَمَنٍ مَاضٍ} وهذا هو الصحيح، قاله في شرح التحرير.

{قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى فِيمَنْ قَالَ: لاَ آكُلُ} متى؟ في المستقبل {ثُمَّ أَكَلَ: هَذَا كَذِبٌ} هكذا قال الإمام أحمد.

{قَالَ: لا آكُلُ} يعني في المستقبل {ثُمَّ أَكَلَ: هَذَا كَذِبٌ} . توجَّه الكذب لأي شيء؟

لقوله: لا آكُلُ. إذا قال: لا آكُلُ، لا أذهبُ، لا أقرأ .. ثم قرأ فأكل وشرب، حينئذٍ نقول: قوله: لا آكُلُ كذِبٌ، مع كونه تعلق بالمستقبل.

فيوصف حينئذٍ ما تعلق بالمستقبل بالكذب.

قال: هَذَا كَذِبٌ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ.

وَقِيلَ لَهُ أَيْضًا: بِمَ يُعرفُ الْكَذَّابَ؟ قَالَ: بِخُلْفِ الْوَعْدِ.

خلف الوعد يكون في المستقبل، وسماه كذابًا.

وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ) ).

وقَوْلِه تَعَالَى: (( أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ) )إلَى آخِرِ الآيَةِ، وقَال تَعَالَى: (( وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) )، وقَوْلِه تَعَالَى: (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) )هذا في المستقبل .. كذَّبهم.

{فَأَكْذَبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى} مع أنهم قالوا ذلك فيما سيقع.

{وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } وصفه بالكذب.

{وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِ عَبْدِ حَاطِبٍ لَمَّا جَاءَ يَشْكُو حَاطِبًا: لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } إذًا: كذّبه مع كون مدلوله في المستقبل.

المراد هنا: أن التكذيب قد يكون لشيء في المستقبل

وَرَدَّ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا ) )يعني: في المستقبل.

إذًا: الكذب والصدق كما يوصف بهما الخبر في الماضي كذلك يوصف بهما في المستقبل.

وَقِيلَ: لاَ يَكُونُ الْكَذِبُ إِلاَّ فِي مَاضٍ.

قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهُوَ قَوْلٌ مَشْهُورٌ، بَلْ هُوَ الْمَفْهُومُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت