ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْخَبَرَ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ. فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ كَالْوَعْدِ كَانَ إِنْشَاءً. وَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
إذًا: (وَيَكُونَانِ فِي مُسْتَقْبَلٍ كَمَاضٍ) الماضي متفق عليه، والمستقبل مختلف فيه، والآيات واضحة بينة في الدلالة على وجوده.
(وَمَوْرِدُهُمَا النِّسْبَةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا) .
مورد الصدق والكذب. يعني نقول: صدقت أو الخبر صدقٌ.
ما الذي وقع عليه الصدق؟ هل هو الوقوع أو الإيقاع؟ الثاني.
يعني عندنا: زيد قائمٌ، زيد له مدلول، وقائم له مدلول، والنسبة بينهما وهو ثبوت القيام. هذا يسمى الوقوع، الإيقاع الذي هو حكم التصديق .. إذا قلت: صدق وكذب يتوجه لماذا؟ هل هو للوقوع أو الإيقاع؟ للإيقاع.
ولذلك قال: (وَمَوْرِدُهُمَا النِّسْبَةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا) يعني {الخَبرُ بِإِيقَاعِ الْمُخْبِرِ} بإيقاع المتكلم يعني.
قال في شرح التحرير: هذه قاعدة مهمة أهملها الأصوليون، وأُخذت من البيانيين كالسَّكَّاكي وغيره، وتقريرها: أن مورد الصدق والكذب. مورد يعني: محل الصدق، إذا قلت: هذا الخبر صدقٌ، ماذا عنيت؟ المحكوم عليه أو المحكوم به أو النسبة، أو الوقوع أو الإيقاع .. ما المراد؟ عندنا أربعة احتمالات، أربعة تصورات .. ما يسمى بالتصور وما يسمى بالتصديق.
مورد الصدق والكذب ما هو؟
قال: وتقريره أن مورد الصدق والكذب في الخبر هو (النِّسْبَةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا) {الْخَبَرُ} لا واحدٌ من طرفيها وهو المسند والمسند إليه، فإذا قيل: زيد ابن عمرو قائم، فقيل: صدقت أو كذبت، فالصدق والكذب راجعان إلى القيام لا إلى البُنوة الواقعة في المسند إليه.
ولهذا قال مالك وبعض الشافعية: إذا شهد شاهدان أن فلان ابن فلان وكَّل فلانًا. حينئذٍ فيه شهادة بالوكالة، لكن في ضمن هذا التركيب: فلان ابن فلان فيه إثبات النسب أو لا؟ هذا محل خلاف بينهم، هل الشهادة تقع على الوكالة فحسب أم أنها كذلك تقع على إثبات النسب؟
إذا شهد شاهدان أن فلان ابن فلان وكّل فلانًا. فهي شهادة بالوكالة فقط، ولا تُنسَب إليهما الشهادة بالنسب البتة.
قال في التحرير: قلت: وقواعد مذهبنا تقتضي ذلك. لكن الصحيح عند الشافعية: أنها تتضمن الشهادة بالنسب، وإن كان أصل الشهادة إنما هو بالوكالة.
قال الكوراني: لكن جعَلَ الفقهاء هنا المقصود تبعًا كالمقصود أصالة؛ لأن تلك النسبة الإضافية في قوة الخبرية.
وقال الزركشي في تشنيف المسامع: وينبغي أن يُستثنى من ذلك ما لو كانت صفة المسند إليه مقصودة بالحكم، بأن يكون المحكوم عليه في المعنى الهيئة الحاصلة في المسند إليه وصفته، كقوله صلى الله عليه وسلم: فإن المراد الذي جمع كرم نفسه وأبائه.
إذًا: على الصيغة السابقة: فلان ابن فلان وكّل فلانًا. هل تثبت بتلك الشهادة النسب أو لا؟ يُنظر فيه. هل هو ثابت أصالة أو تبعًا؟ لا شك أنه ثابت تبعًا، وأن محل الشهادة هو الوكالة.
من اعتبر أن الشيء إذا كان ثابتًا بالتبع كحكم الأصالة ألحَقَه به وإلا فلا.