ولهذا قال هنا: ما لم ينتهي إلى حد التواتر، سواء انتهى إلى حد الاستفاضة والشهرة أم لا، وعلى هذا ينقسم خبر الواحد إلى: مستفيض ومشهور. هكذا قال في تشنيف المسامع ويأتي.
إذًا: فالأخبار قسمان .. محصورة في نوعين: تواتر، وآحاد لا غير. على الصحيح. والآحاد قسيم التواتر. وهو مذهب الجمهور، سواء كان الجمهور من الأصوليين أو من أهل الحديث.
فخبر الواحد: ما لم ينته إلى رتبة التواتر، إما بأن يرويه من هو دون العدد الذي لا بد منه في التواتر، على خلاف في العدد، أو يرويه عدد التواتر، ولكن لم ينتهوا إلى إفادة العلم باستحالة تواطُئهم على الكذب.
أو لم يكن ذلك في كل الطبقات، أو كان ولكن لم يخبروا عن محسوس على القول باشتراطه في التواتر، أو غير ذلك مما يُعتبر في التواتر.
فكل ما لم يتوفر فيه شرط التواتر حينئذٍ نقول: هذا يسمى آحادًا، ولذلك عرّفه بتعريف جامع وهو: (مَا عَدَا المُتَوَاتِرْ) .
يعني: ما لا يصدق عليه أنه متواتر ولو وجد فيه شرطٌ أو شرطان ولم تستوفِ الشروط حينئذٍ فهو آحاد، وليس العبرة بأنه يرويه واحدٌ فحسب.
فالآحاد: هو الذي لا يفيد العلم واليقين -على قول-. يعني: من الفوارق بين المتواتر والآحاد: أن الآحاد لا يفيد العلم واليقين، والمتواتر يفيد العلم واليقين، على خلاف: هل هو ضروري أو نظري؟ والصواب أنه ضروري كما مر معنا.
وحينئذٍ الآحاد مقابله، يقابله من حيث الحقيقة ومن حيث الإفادة. إذا كان الآحاد -على هذا القول الذي ذكره المصنف- أنه لا يفيد العلم واليقين وإنما يفيد الظن فحسب، ولو مع قرائن عندهم فحينئذٍ نقول: هذه من الفوارق بين النوعين، وإن كان فيه نظر، فحديث الآحاد قد يفيد العلم كما سيأتي.
فلا يقصرون اسم الآحاد على ما يرويه الواحد كما هو مقتضاه في اللغة، وإنما هو ما عدا ذلك، كما هو حقيقة فيه، بل يريدون به: ما لا يفيد العلم ولو كان من عدد كثير.
بل يريدون به ما لا يفيد العلم عند الأصوليين، فكل ما لا يفيد العلم حينئذٍ يسمى آحادًا؛ لأنه انتفى شرط من شروط التواتر، وهو أهمها: أن يفيد العلم اليقيني بنفسه.
ولكن هذا التفريق -كما سيأتي-: أنه ليس بصواب. يعني: التفريق بين المتواتر والآحاد: بأن ما أفاد العلم هو المتواتر وما لم يفد فهو آحاد، هذا غلط. وإنما المعتبر أن خبر الآحاد إما أن يكون بقرائن أو لا، فإن كان بقرائن مفيدة للعلم فلا شك أنه يفيد العلم واليقين. يعني: نقطع به.
وإن لم يكن مع قرائن فالمشهور عند كثير من المتأخرين من المحدثين أنه يفيد الظن، والصواب: أنه قد يفيد العلم، لكنه للمتبحر .. الحافظ الذي له خبرة بالعلم، ليس لكل أحد، أما مع القرائن فلا شك أنه يفيد العلم، ودون قرائن يُنظر فيه. يعني: بالنظر إلى الباحث .. إلى الناظر .. إلى المحدث، ولذلك سيأتي أن الإمام أحمد يرى أنه يفيد العلم.
وهو اختيار ابن حزم رحمه الله تعالى مطلقًا يعني: دون تفصيل.
قال: بل يريدون به ما لا يفيد العلم، ولو كان من عدد كثير، ولو أفاد خبر الواحد العلم بانضمام قرائن أو بالمعجزة فليس منه اصطلاحًا. يعني: في اصطلاح أهل الأصول.