قَالَ: وَقَدْ كُنْت أَمِيلُ إلَى هَذَا، وَأَحْسِبُهُ قَوِيًّا -أنه يفيد الظن- ثُمَّ بَانَ لِي أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ ظَنَّ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ مِنْ الْخَطَأِ لا يُخْطِئُ، وَالأُمَّةُ فِي إجْمَاعِهَا مَعْصُومَةٌ مِنْ الْخَطَأِ.
إذا تلقته الأمة بالقبول يعني: أجمعت عليه، ومعلوم أن الأمة لا تُجمع على خطأ فدل على أنه يفيد العلم.
لكن ما ذكره عن ابن الصلاح يدل على أن قصده بالأول هو العلم النظري.
{وَقَالَ النَّوَوِيُّ: خَالَفَ ابْنَ الصَّلاحِ الْمُحَقِّقُونَ وَالأَكْثَرُونَ، وَقَالُوا: يُفِيدُ الظَّنَّ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ} وهذا غلط.
قال: خَالَفَ ابْنَ الصَّلاحِ الْمُحَقِّقُونَ وَالأَكْثَرُونَ، وَقَالُوا: يُفِيدُ الظَّنَّ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَأَبُو حَامِدٍ وَابْنُ بُرْهَانٍ وَالْفَخْرُ الرَّازِيّ وَالآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمْ: لاَ يُفِيدُ الْعِلْمَ إِلا مَا نَقَلَهُ آحَادُ الأُمَّةِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِمْ إذَا تُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ.
وَقَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ: يُفِيدُهُ عَمَلًا لاَ قَوْلًا.
على كلٍّ: المسألة فيها خلاف يحكى عند الأصوليين، والصواب ما قدمناه: أن المسألة خلافية والخلاف فيه سائغ؛ بأن إفادة خبر الآحاد الظن أو العلم مطلقًا أو مع القرائن. هذه المسألة فيها خلاف، والراجح فيه ما ذكرناه: أنه إن احتفت به قرائن أفاد العلم، وإن لم تحتف به قرائن قد يفيد. لا ننفي عنه العلم وإنما يفيد للمتبحر أو الحافظ ونحو ذلك.
قال: (وَيُعْمَلُ بِآحَادِ الأَحَادِيثِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ) .
يعني في العقيدة، وهذا لا خلاف فيه، لا فرق بين أحاديث الآحاد في العمليات والعلميات، والتفريق الذي حصل عند المتأخرين إنما هو تفريقٌ من جهة أهل البدعة، وأما أهل السنة والجماعة والسلف فإجماعٌ: أنه متى ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأثر فحينئذٍ وجب العمل به مطلقًا دون تفصيل.
(وَيُعْمَلُ بِآحَادِ الأَحَادِيثِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ) .
{وَحَكَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا} عن السلف.
{قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى: لاَ نَتَعَدَّى الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ} .
أطلق الحديث ولم يفصِّل: لا نَتَعَدَّى الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. مع أنه في سياق ما يتعلق بأحاديث الصفات، فدل ذلك على أنه لما أطلق دون تفصيل دل على أنه عام في المتواتر وغيره.
وهذا الفرق الذي ينبني على التقسيم إلى آحاد ومتواتر هو الذي يُنفَى، بمعنى: أن التقسيم صحيح في نفسه ولا إشكال فيه، وكل منهما قد استُعمل في بعض أقوال السلف فلا يُنكر، وإنما الذي طعن فيه ابن القيم في مختصر الصواعق وغيرها، أراد به ما يُبنى على هذا التقسيم من حيث القبول والرد، وما عداه فلا إشكال فيه البتة؛ لأنه مجرد اصطلاح.
قال: {وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: يُعْمَلُ بِهِ فِيهَا فِيمَا تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالْقَبُولِ} لا. مطلقًا.