فيما تلقته الأمة بالقبول يُعمل بالنص في أصول الديانات، وهذا غلط .. هذه نزعة.
{وَلِهَذَا قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى: قَدْ تَلَقَّتْهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ} .
يعني: أحاديث الآحاد مطلقًا.
{وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ أَخْبَارَ الآحَادِ الْمُتَلَقَّاةَ بِالْقَبُولِ تَصْلُحُ لإِثْبَاتِ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي مُقَدِّمَةِ الْمُجَرَّدِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينُ فِي عَقِيدَتِهِ} .
لكن قوله هنا يُنظر فيه: أَنَّ أَخْبَارَ الآحَادِ الْمُتَلَقَّاةَ بِالْقَبُولِ. إن أُريد به للاحتراز وليس الأمر كذلك.
يعني: كأنه يقسِّم أحاديث الآحاد إلى قسمين: تلقته الأمة بالقبول، لم تتلقاه الأمة بالقبول، فالأول يُعتبر حجة في العقائد والثاني لا. نقول: لا.
متى ما صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن وقع فيه نزاع في الأمة -لأن الأشعرية محسوبون على الأمة- فحينئذٍ نقول: وإن وقع فيه نزاع في الأمة كذلك يُعتبر حجة في العقائد ولا إشكال فيه. وإنما العبرة بصحة السند، متى ما صح الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم برواية العدل عن العدل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، حينئذٍ نقول: هذا يعتبر حجة في باب العقائد.
{وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: لاَ يُعْمَلُ بِهِ فِيهَا} هذه جاءت البدعة هنا، ولو قاله أبو الخطاب وغيره.
{لاَ يُعْمَلُ بِهِ} يعني: بخبر الآحاد {فِيهَا} يعني: في أصول الديانات. لماذا؟ لأنه لا يفيد العلم. جاءت البدعة هنا.
من الذي خص أحاديث الآحاد بكونها لا تفيد العلم فلا تُقبل في العقائد؟
نحتاج إلى نص. وسيأتي أن الاحتجاج بخبر الواحد جاءت الدلالة عليها في الكتاب وفي السنة وإجماع الصحابة، دون تفريق بينها البتة، بل لم يبحثوا أصل المسألة .. لم يبحثوا في أحاديث الآحاد هل تفيد العلم أو الظن، وإنما بمجرد أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه قاله صار حجة.
هذه المسألة لا ينبني عليها شيء، يفيد الظن أو لا يفيد. نقول: هذه لا ينبني عليها شيءٌ البتة، إنما هو مجرد اعتقاد فحسب.
قال هنا: {لاَ يُعْمَلُ بِهِ فِيهَا} لأنه لا يفيد العلم وإنما يفيد الظن؛ لأن طريقها العلم. يعني: طريق العقائد العلم، وهذه بدعة أخرى: أنه يُشترط في العقائد القطعيات، ولذلك قالوا: القطعيات.
يعني: عظَّموا الأمر هكذا، ثم قالوا: دلالة العقل قطعية، ودلالة النقل -اللفظ- هذه ظنية. ولذلك قدموا العقل على النقل، هنا جاءت البدعة.