وَخَالَفَ فِيهِ قَوْمٌ مِنْهُمْ الْجُبَّائِيُّ، وَأَكْثَرُ الْقَدَرِيَّةِ، وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ. وأبو الخطاب وابن السريج والقفّال والصيرفي قالوا: يجب عقلًا، لماذا؟
قالوا: لاحتياج الناس إلى بعض الأشياء من جهة الخبر، وفي ترك ذلك أعظم الضرر. لو نفينا عقلًا لترتب عليه الضرر؛ لأن أكثر الأخبار هي آحاد، فلو قلنا: لا يجب عقلًا إذًا: ضاع الناس. كيف يقبلون الأخبار؟ كيف يتواصلون؟ إلى آخره.
لاحتياج الناس إلى بعض الأشياء من جهة الخبر، فلو أبطلنا دلالة العقل على وجوب العمل بخبر الواحد. حينئذٍ كيف تصل تلك الأخبار إلى الناس، وفي ترك ذلك أعظم الضرر.
ولأن العمل به يفيد دفع ضرر مظنون، فكان العمل به واجبًا.
{وَلَنَا} على القول بأنه جائز أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، وَلَيْسَ احْتِمَالُ الْكَذِبِ وَالْخَطَإِ بِمَانِعٍ، وَإِلاَّ لَمُنِعَ فِي الشَّاهِدِ وَالْمُفْتِي، وَلا يَلْزَمُ الْوُصُولُ لِمَا سَبَقَ فِي إفَادَتِهِ الْعِلْمَ، وَإِلاَّ نُقِلَ، لِقَضَاءِ الْعَادَةِ فِيهِ بِالتَّوَاتُرِ؛ وَلأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ دَفْعُ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ فَوَجَبَ أَخْذًا بِالاحْتِيَاطِ.
وَقَوَاطِعُ الشَّرْعِ نَادِرَةٌ فَاعْتِبَارُهَا يُعَطِّلُ أَكْثَرَ الأَحْكَامِ.
{قَوَاطِعُ الشَّرْعِ نَادِرَةٌ} لا .. ليس الأمر كذلك، بل هي كثيرة، كل ما تعلق بالناس عامة وخاصة نقول: هذا قطعي.
ولذلك ما يتعلق بالصلاة من حيث الوجوب، من حيث صفتها في الجملة .. أركانها، واجباتها، شروطها .. هذا كله مقطوع به، والصوم والزكاة والحج. كله مقطوع به.
المحرمات العامة: الزنا، اللواط، الربا .. كله معلوم من الدين بالضرورة.
فحينئذٍ كيف يقول: {قَوَاطِعُ الشَّرْعِ نَادِرَةٌ} ؟
{فَاعْتِبَارُهَا يُعَطِّلُ أَكْثَرَ الأَحْكَامِ، وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْعُوثٌ إلَى الْكَافَّةِ. وَمُشَافَهَتُهُمْ وَإِبْلاغُهُمْ بِالتَّوَاتُرِ مُتَعَذِّرٌ، فَتَعَيَّنَتْ الآحَادُ} .
إذًا: العمل به جائزٌ عقلًا لا واجب.
و (وَاجِبٌ سَمْعًا) يعني: يجب من جهة الكتاب والسنة، يعني: دل الدليل السمعي: كتابًا وسنة، وإجماع الصحابة على أنه يجب العمل بخبر الواحد، وهنا الخلاف بدعي. يعني: من خالف في هذا الأصل وفصَّل فهو مبتدع.
(وَاجِبٌ سَمْعًا) .
يعني: {وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَاجِبٌ سَمْعًا فِي الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ} مطلقًا دون تفصيل {عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ} بل هو إجماع، ليس عند أكثر العلماء، إلا إذا اعتبر المخالفين من المتأخرين.
إذًا قوله: (وَاجِبٌ سَمْعًا) أي: {الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَاجِبٌ سَمْعًا} . (وَاجِبٌ) بالمعنى الاصطلاحي الذي مضى معنا، و (سَمْعًا) يعني: من جهة السمع، وهو تمييز .. واجبٌ حال كونه مسموعًا، يحتمل أنه تمييز أو حال بمعنى اسم المفعول.
على كلٍ: (سَمْعًا) أي: من جهة السمع.
هذا إذا جعلناه تمييزًا: واجبٌ مسموعًا، لكن من جهة السمع التمييز أجود.