قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيُعْتَبَرُ تَرْكُ مَا فِيهِ دَنَاءَةٌ وَتَرْكُ مُرُوءَةٍ كَأَكْلِهِ فِي السُّوقِ لكن في السوق هذا يُعتبر من خوارم المروءة، لكن كما ذكرنا أنه يُعتبر في زمن دون زمن، وفي بلد دون بلد.
قال: {كَأَكْلِهِ فِي السُّوقِ بَيْنَ النَّاسِ الْكَثِيرِ. وَمَدِّ رِجْلَيْهِ} . وهذا يُعتبر من الخوارم. يعني: في المجالس.
{وَكَشْفِ رَأْسِهِ بَيْنَهُمْ} . يعني: بين الناس.
{وَالْبَوْلِ فِي الشَّوَارِعِ} هذا يُعتبر من خوارم المروءة.
{وَاللَّعِبِ بِالْحَمَامِ، وَصُحْبَةِ الأَرَاذِلِ، وَالإِفْرَاطِ فِي الْمَزْحِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، يَعْنِي: إذَا صَنَعَ مَا شَاءَ فَلا يُوثَقُ بِهِ} .
{وَعَلَى الأَصَحِّ} عند جماعة من أصحابنا وكثيرٍ من العلماء، وحكي إجماعًا فِي كَوْنِ الصَّغَائِرِ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَبِمَصَائِب الدُّنْيَا لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: (( إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) ).
وَلِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ مِنْ تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا. وَاخْتَارَ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ. وَحَكَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ.
وقال رحمه الله تعالى: فالصغائر تُكفَّر باجتناب الكبائر عند جماهير أهل السنة. بل وعنه: الأكثرون منهم -يعني: من أهل السنة-: أن الكبائر تُمحى بالحسنات التي هي أعظم، وبالمصائب المكفرة وغير ذلك.
إذًا: الحق الذي دل عليه ظاهر الكتاب والسنة: أن الذنب نوعان: كبيرة وصغيرة، ثم أن الصغائر لا يُشترط فيها التوبة بل تُكفَّر باجتناب الكبائر، وكذلك بالحسنات.
قال: (وَيُرَدُّ كَاذِبٌ وَلَوْ تَدَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ وَتَقْدَحُ كَذْبَةٌ فِيهِ وَلَوْ تَابَ) .
(وَيُرَدُّ كَاذِبٌ وَلَوْ تَدَيَّنَ) (كَاذِبٌ) يعني: من وقع في الكذب يرد حديثه ولا تُقبل روايته.
قال: (وَلَوْ تَدَيَّنَ) {أَيْ تَحَرَّزَ عَنْ الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ} لأن من يكذب على نوعين: يكذب في الحديث أو في غير الحديث.
أو يكذب في غير الحديث وإذا جاء الحديث صدق، فحينئذٍ"لو تدين في الحديث"بأنه تحرز عن الكذب لا يُقبل قوله .. يرد قوله.
{عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ الإِمَامَانِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا؛ لأَنَّهُ لا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْذِبَ فِيهِ} فمن كذب في غير الحديث هذا فسَق، حينئذٍ لا يؤمن عليه أن يقع في الكذب كذلك في الحديث.
{وَعَنْهُ: وَلَوْ بِكَذْبَةٍ وَاحِدَةٍ} .
يعني: في غير الحديث لو كذب كذبة واحدة سقط قوله من أصله.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ وَغَيْرُهُ.
وَاحْتَجَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ شَهَادَةَ رَجُلٍ فِي كَذْبَةٍ. وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ. رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَالْخَلاَّلُ، وَجَعَلَهُ فِي التَّمْهِيدِ إنْ صَحَّ لِلزَّجْرِ يعني أوَّلَه.