واختار بعضهم هذه الرواية وقاس عليها بقية الصغائر، {وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ} عند الحنابلة: {أَنَّ الْكَذْبَةَ الْوَاحِدَةَ لاَ تَقْدَحُ لِلْمَشَقَّةِ وَعَدَمِ دَلِيلِهِ} .
يعني: مع كونها محرمة، ليس الكلام في التحريم. هي محرمة ولا شك؛ لأنه كذب والكذب كله حرام .. ليس فيه تفصيل.
قال هنا: {لاَ تَقْدَحُ} يعني في العدالة.
{لِلْمَشَقَّةِ} يعني: في التحرز عنها {وَعَدَمِ دَلِيلِهِ} .
{وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ. وَقِيَاسُ بَقِيَّةِ الصَّغَائِرِ عَلَيْهَا بَعِيدٌ؛ لأَنَّ الْكَذِبَ مَعْصِيَةٌ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَهُوَ الْخَبَرُ الْعَامُّ} .
إذًا الخلاصة: (وَيُرَدُّ كَاذِبٌ وَلَوْ تَدَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ) .
يعني: من وقع في الكذب حينئذٍ فسق، وإذا فسق رُد حديثه كله.
فالفاسق من جهة الكذِب ليس كغيره من الفُسّاق، ثم لا يُقبل تفصيله .. بأنه يكذب في غير الحديث وفي الحديث يصدق، بل الحكم سواء.
ثم الحكم معلَّق بكَذبة واحدة، لو وقع في كذبة واحدة سقطت عدالته ولا يُقبل قوله أبدًا.
قال: (وَتَقْدَحُ كَذْبَةٌ فِيهِ) يعني: كذبة واحدة.
(فِيهِ) {أَيْ فِي الْحَدِيثِ} فلا تُقبل روايته، أو في الشخص نفسه -الراوي- فلا تُقبل روايته.
(وَلَوْ تَابَ) {مِنْهَا} . يعني: إذا تاب تُقبل توبته بينه وبين ربه، لكن المراد هنا: هل يعتمد قوله في قبول الرواية أم لا؟
(وَتَقْدَحُ كَذْبَةٌ فِيهِ) أي: واحدة، على وزن فَعْلة.
(فِيهِ) {أَيْ فِي الْحَدِيثِ} فلا تُقبل روايته (وَلَوْ تَابَ) {مِنْهَا} .
{نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى. وَقَالَ: لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مُطْلَقًا} .
ليس مراده أنه لا توبة له يعني: عند الله تعالى، وإنما المراد بيننا وبينه، وأما بينه وبين خالقه فالأمر بينهما.
وَقَالَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ: لأَنَّهُ زِنْدِيقٌ. فَتُخَرَّجُ تَوْبَتُهُ عَلَى تَوْبَتِهِ. لا ليس بزنديق وإنما لعله شبَّهه به لأن الزنديق مختلف في قبول توبته: تُقبل أو لا تُقبل؟ وفيه خلاف. كثير من أهل السنة يرون أنه لا تُقبل توبته.
والظاهر: أن الأصل عموم قبول التوبة.
قال: {فَتُخَرَّجُ تَوْبَتُهُ عَلَى تَوْبَتِهِ وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَكْذِبُ فِيهَا لِرِشْوَةٍ أو تَقرُّبٍ إلَى أَرْبَابِ الدُّنْيَا} . وهذا فرقٌ بعيد كما قال ابن عقيل.
{وَظَاهِرُ كَلامِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّ تَوْبَتَهُ تُقْبَلُ} . هذا هو الصحيح: أنه لو تاب تاب الله عليه، ثم ينبني عليه: أن الوصف الذي تعلق عليه بسبب وقوعه في المعصية كالفسق ونحوه يُرفع، أما لو كان كافرًا فهو فاسق، لو أسلم زال ما ترتب على الكفر.
كذلك لو كان فاسقًا ماجنًا ثم تاب زال ما ترتب على الفسق، هذا هو الأصل، فإذا تاب تاب الله عليه، فحينئذٍ ترجع العدالة كما كانت، ولذلك قال هنا: {وَظَاهِرُ كَلامِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّ تَوْبَتَهُ تُقْبَلُ} . وهذا هو الصحيح، والله أعلم.