{كُفِّرَ} يعني: نُزِّل عليه الحكم.
{وَقَالَ الْقَاضِي عَلاءُ الدِّينِ الْبَعْلِيُّ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا: إِنْ كَانَتْ بِدْعَةُ أَحَدِهِمْ مُغَلَّظَةً كَالتَّجَهُّمِ رُدَّتْ رِوَايَتُهُ} الجهمية تُرد روايتهم.
وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَسِّطَةً كَالْقَدَرِيَّةِ. رُدَّتْ إنْ كَانَ دَاعِيَةً.
وَإِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً كَالإِرْجَاءِ ليس مطلق الإرجاء.
{فَهَلْ تُقْبَلُ مَعَهَا مُطْلَقًا. أَمْ يُرَدُّ غَيْرُ الدَّاعِيَةِ؟ رِوَايَتَانِ. هَذَا تَحْقِيقُ مَذْهَبِنَا} .
يعني: خلاف ما قدّمه المصنف هنا. {هَذَا تَحْقِيقُ مَذْهَبِنَا} يعني: مذهب الحنابلة، ولذلك قال الإمام أحمد: واحتملوا الحديث من المرجئة يعني: قبِلوه.
وقال: يُكتب عن القدري إذا لم يكن داعيةً. يعني: فصَّلَ في القدري إذا لم يكن داعية، وأطلق في المرجئة.
قال ابن قدامة: وإن لم يكن فكلام أحمد يحتمل الأمرين: القبول وعدمه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المسودة مُعلِّقًا على كلام الإمام أحمد السابق: فعمَّم في المرجئ -يعني: الداعية وغيره- وقيَّد في القدري -إذا لم يكن داعية-. وهذا يخالف قول من قال: الداعي مطلقًا لا يروى عنه.
قال هنا: وقال الشيخ تقي الدين: كلام أحمد يُفرِّق بين أنواع البدع وبين الحاجة إلى الرواية عنهم وعدمها. هذا حاصل ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى.
وخلاصته: أن الجمهور ذهبوا إلى أنه لا تُقبل رواية المكفَّر ببدعته. يعني: من وقع في بدعة مكفِّرة وكفَّرناه. هذا خرج، افتقد الشرط الأول وهو الإسلام .. ليس بمسلم. وهو من يعتقد من يستلزم الكفر.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: والتحقيق:"أَنَّهُ لَا يُرَدُّ كُلُّ مُكَفَّرٍ بِبِدْعَتِهِ."
ثم قال: فالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الَّذِي تُرَدُّ رِوَايَتُهُ مَنْ أَنْكَرَ أَمْرًا مُتَوَاتِرًا مِنْ الشَّرْعِ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وكذا من اعْتَقَدَ عَكْسَهُ.
فأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ بهذه الصفة وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ ضَبْطُهُ لِمَا يَرْوِيهِ مَعَ وَرَعِهِ وَتَقْوَاهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ قَبُولِهِ"هذا التفصيل ذكره في شرح النخبة."
يعني: ومن عداه. يعني: من عدا من كُفِّر ببدعته فحينئذٍ مدار القبول وعدمه على الصدق والضبط، لا على كونه داعية أو غير داعية، ويشهد لذلك كثير من صنيع الإمامين البخاري ومسلم وغيرهم من أئمة الدين أنهم قد قبلوا بعض أهل البدع، وكانوا دعاة إلى بدعتهم.
فالمدار حينئذٍ على الصدق والضبط، فمتى ما كان صادقًا حينئذٍ قُبل وإلا فلا.
ولذلك نقول هنا: المدار على الصدق والضبط سواء كان داعية أم لا، ولذلك نقل السخاوي عن ابن دقيق العيد أنه قال: الذي تقرر عندنا أنه لا نعتبر المذاهب في الراوية .. قدري، مرجئ .. إلى آخره، لا نعتبرها.
قال: فإذا اعتبرنا ذلك وانضم إليه الورع والتقوى فقد حصل معتمَد الرواية؛ لأن الرواية مدارها على الصدق والضبط.
وهذا مذهب الشافعي؛ حيث يقبل شهادة أهل الأهواء.
وقال في جمع الجوامع: يُقبل مبتدع يُحرّم الكذب.
قال المحلي: لأمنه فيه من تأويله في الابتداع. سواءٌ دعا الناس إليه أم لا.