وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ الْمُدَلِّسُونَ مِثْلَ هَذَا .. يَذْكُرُونَ الرَّاوِيَ الضَّعِيفَ بِاسْمٍ يُشَارِكُهُ فِيهِ رَاوٍ ثِقَةٌ، لِيُظَنَّ أَنَّهُ ذَلِكَ الثِّقَةُ تَرْوِيجًا لِرِوَايَتِهِمْ.
قال: (وَلَا شَيْءَ لِجَرْحٍ بِاسْتِقْرَاءٍ) يعني: لا يثبت جرح الراوي بالاستقراء والتتبع لمروياته، هكذا قال المصنف.
(وَلَا شَيْءَ لِجَرْحٍ بِاسْتِقْرَاءٍ) يَعْنِي: أَنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلَى ذِكْرِ الْجَرْحِ بِطَرِيقِ الاسْتِقْرَاءِ.
وَمَعْنَى الاسْتِقْرَاءِ: التَّتَبُّعُ، بِأَنْ يُقَالَ: تَتَبَّعْنَا كَذَا فَوَجَدْنَاهُ كَذَا مِرَارًا كَثِيرَةً لَمْ يَنْخَرِمْ فِي مَرَّةٍ مِنْهَا.
فَلَوْ قِيلَ: مَنْ وَجَدْنَاهُ يَعْمَلُ كَذَا فَهُوَ مَجْرُوحٌ. وَاسْتَقْرَيْنَا ذَلِكَ فِي أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ. فَهَذَا لَيْسَ بِجَرْحٍ، وَلَيْسَ مِنْ طُرُقِ الْجَرْحِ حَتَّى يُحْكَمَ بِهِ.
لأن الأصل في الجرح أنه وصفٌ مختصٌ به. يعني: شيءٌ قائم به، هي أوصاف قائمة بالمجروحين.
وعلى كلامه هنا يقول: {لَا يُلْتَفَتُ إلَى ذِكْرِ الْجَرْحِ بِطَرِيقِ الاسْتِقْرَاءِ} .
فلو نُظر في شخصٍ ما، وفي أحوال كثيرٍ من المجروحين ووُجد أن ثم قاسمًا مشتركًا بينهم، حينئذٍ هل يصلح أن يكون هذا الوصف الذي هو القاسم المشترك، أنه إذا وجد في زيدٍ من الناس قالوا: هو مجروح. قال هذا لا يصلح؛ لأن الاستقراء لم يثبت به عند أئمة الجرح والتعديل أنه من موجبات الجرح، بل لا بد من وصف قائمٍ به؛ لأنه قد يكون ثم قاسم مشترك بين مجروحين ويوجد في غيره، لكنه لا يكون جارحًا له. هذا مراده رحمه الله تعالى.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَخَذْتُهَا مِنْ كَلامِ ابْنِ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ} .
يعني: لم يذكرها أرباب المصطلح.
قال: (وَلَهُ جَرْحٌ بِاسْتِفَاضَةٍ) يعني: بشهرة، متى ما اشتهر حينئذٍ عن محدِّثٍ أن فيه صفة توجب رد الحديث، حينئذٍ جُرح به .. بمجرد الشهرة.
قال: (وَلَهُ جَرْحٌ) {أَيْ: وَلِلْجَارِحِ الْجَرْحُ فِي الرَّاوِي} .
(بِاسْتِفَاضَةٍ) يعني: {بِسَبَبِ اسْتِفَاضَةٍ أَيْ: إشَاعَةٍ عَنْ مُحَدِّثٍ أَنَّ فِيهِ صِفَةً تُوجِبُ رَدَّ الْحَدِيثِ. فَيَجُوزُ الْجَرْحُ بِذَلِكَ، كَمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالاِسْتِفَاضَةِ فِي مَسَائِلَ مَخْصُوصَةٍ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ} .
إذًا: إذا استفاض واشتهر عن محدث ما أن فيه صفة توجب الرد .. رد الحديث، دون أن نتحقق فيه بالفعل، حينئذٍ قال: هذه توجب رد الراوي يعني: جرحه.
لكن هنا يُنظر في الاستفاضة هذه .. مصدرها، ليس كل ما استفاض يكون ثابتًا في نفسه، كم من شيءٍ مستفيض إذا تحقق منه المرء حينئذٍ لا يجده كما هو، والظاهر أنه يُنظر في هذه المسألة. يعني: لا تكون الاستفاضة من موجبات الجرح، بل لا بد من التحقق. هل قام به الوصف أو لا؟
(وَلَهُ جَرْحٌ بِاسْتِفَاضَةٍ) .
{وَمَنَعَ الْجَرْحَ بِذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا} وهو كذلك والله أعلم: أن الاستفاضة لا تكون من موجبات الجرح.