وإنما قد يقال: بأن المتأخرين رسموا قواعد يسيرون عليها وأرادوا أن تكون مطردة، كالقواعد الأصولية، والقواعد الفقهية، أرادوا أن يحملوا المصطلح على ما شاع عندهم من التقعيد والتأصيل، هنا المأخذ فقط؛ لأن المتقدمين الظاهر أنه ليس عندهم قاعدة مطردة، وإنما قد يرجّح بما يبدو له في كل سند بحاله وحسبه، هناك قواعد عامة لكنها ليست مطردة.
وهذا الذي قد يكون أخفق فيه المتأخرون، وما عدا ذلك لا فرق بينهما، وإلا لا يوجد -والله أعلم- مسألة واحدة أجمع عليها المتقدمون وجاء المتأخرون: الذهبي أو غيره والحافظ ابن حجر وخالفوا المتقدمين، هذا لا وجود له، وإنما هي مصطلحات منقولة عن المتقدمين، هذا عرّف الشاذ بكذا، وهذا إلى آخره، والشافعي والخليلي وغيره، وجاء ابن حجر واختار قولًا واحدًا.
فهذا الذي ترجح عنده، فحينئذٍ لا يلام، يلام إذا أعرض عن جميع أقوال المتقدمين واستنبط معنى للشاذ خالف به المتقدمين، وهذا لا وجود له البتة.
ولذلك ترى أنت الآن مسألة مهمة جدًا من أهم المسائل وقع فيها نزاع وهي: مسألة السماع وإمكان اللقي والمعاصرة، ثم بين مسلم والبخاري وابن المديني، الإمام أحمد .. إلى آخره. وهذه مسألة عظيمة وقع فيها النزاع، فكيف بضبط المنكر والشاذ؟ من باب أولى وأحرى أن يقع فيها نزاع؛ لأنه مصطلحات، لا ينبني عليها قبول ورد بخلاف هذه المسألة مسألة عظيمة.
حينئذٍ المتقدمون والمتأخرون لا شك في هذا الانفصال، وأنه موجود في كل فن، المفسرون عندهم متقدمون وعندهم متأخرون، بل حتى المناطقة عندهم المتقدمون والمتأخرون.
وكذلك الحديث ولا إشكال فيه، لكن لا نجعل أن المتأخرين كأنهم صرفوا وحرفوا علم الحديث عن بكرة أبيه. هذا خلل هذا، هذا لا يقوله إنسان فهم المصطلح أصلًا.
هذا الذي يدّعي أو يحمل راية أن المتأخرين انحرف معهم المصطلح هذا ما عرف المصطلح، وإلا لو وقف على مثل هذا الكلام عرف أن المتقدمين بينهم خلاف كبير جدًا في توثيق الرجال، في معرفة ما يُجرَّح به، في بعض الألفاظ المقدمة المؤخرة، في الشاذ، في أمور كثيرة جدًا.
من وقف في علم المصطلح على عبارات المتقدمين عرف أن بينهم خلافًا كبيرًا، وأن ما اتفقوا عليه قليل جدًا، فحينئذٍ لا نجعل مفاصلة بين طبقتين، بل يستفاد من كتب المتأخرين وهي السُّلم الذي يضع طالب العلم قدميه، ثم إذا أتقن بعد ذلك له أن يقرأ ما شاء، لا نمنع بأن يقرأ كتب المتقدمين، ويحاول أن يكون له اجتهادٌ فيها إذا كان أهلًا .. ليس كل شخص وإنما إذا كان أهلًا.
الشاهد هنا: أن قوله: {هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُتَقَدِّمِينَ} .
إذًا: المتقدمون بينهم خلاف.
وكذلك ابن رجب عبّر بالمتقدمين وعبّر بالمتأخرين، فحينئذٍ الإنصاف -والإنصاف عزيز- أن يقال بأن علم المصطلح لا شك فيه متقدمون وفيه متأخرون وفيه خلاف بينهما في شيء من المنهج، لكن لا يستلزم ذلك أن يُهجر علم المتأخرين، وأن يُدّعى بأنهم حرفوا علم المصطلح، وأنهم أدخلوا الأصول .. إلى آخر الكلام الساذج الذي لا ينبغي الالتفات إليه البتة.
وهذا يدل على عدم علمهم بهذا العلم ابتداء وانتهاء.