قال هنا: {هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَعْيَانِ الْحُفَّاظِ، بَلْ كَلامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ السَّمَاعِ} .
وهذا أخص من العلم باللقي فضلًا عن إمكان اللقي.
قال هنا: {كَلامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ السَّمَاعِ} هذا على خلاف ما ذهب إليه البخاري وابن المديني، وهي مسألة عظيمة جدًا، بل تعتبر هذه من أهم مسائل المصطلح .. حمل السند على الاتصال أو عدمه، فحينئذٍ وقع النزاع بينهم.
قال: {فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الأَعْيَانِ ثَبَتَتْ لَهُمْ الرُّؤْيَةُ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ} .
يعني: العلم باللُقي موجود.
{وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ: لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ السَّمَاعُ مِنْهُمْ} .
إذًا: أثبتوا اللقي ونفوا السماع، إذًا: اللقي لا يستلزم السماع ولا إشكال فيه، وإنما العبرة هنا بالسماع، ولذلك قال: {قَالُوا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الأَعْيَانِ ثَبَتَتْ لَهُمْ الرُّؤْيَةُ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ: لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ السَّمَاعُ مِنْهُمْ} مع إثبات اللقي.
{فَرِوَايَاتُهُمْ عَنْهُمْ مُرْسَلَةٌ} ما حملوه على السماع مع العلم باللقي.
مِنْهُمْ الأَعْمَشُ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَيُّوبُ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ: رَأَوْا أَنَسًا وَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَرِوَايَتُهُمْ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ.
كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ أَيْضًا فِي يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: قَدْ رَأَى أَنَسًا فَلاَ أَدْرِي أَسَمِعَ مِنْهُ أَمْ لاَ؟.
رأى أنس .. أثبت له اللقي، وقال: لا أدري أسمع منه أم لا؟ أسمع فيقبل أم لا فلا يُقبل، هذا الذي ينبني عليه.
{وَلَمْ يَجْعَلُوا رِوَايَتَهُ عَنْهُ مُتَّصِلَةً بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ} وهو اللُقي.
{وَالرُّؤْيَةُ أَبْلَغُ مِنْ إِمْكَانِ اللُّقِيِّ} .
إمكان اللقي يعني: عادة. تعلم أن هذا موجود في المدينة، هذا دخل المدينة في الحج، وحينئذٍ يحتمل أنه لقيه ويحتمل لا. بمجرد الدخول قالوا: أمكن.
إذًا: لو روى عنه حُملت على السماع، وهذا الذي ينبني عليه.
وَلَمْ يَجْعَلُوا رِوَايَتَهُ عَنْهُ مُتَّصِلَةً بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ. وَالرُّؤْيَةُ أَبْلَغُ مِنْ إِمْكَانِ اللُّقِيِّ وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ صِبْيَانِ الصَّحَابَةِ رَأَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصِحَّ لَهُمْ سَمَاعٌ مِنْهُ. فَرِوَايَاتُهُمْ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ. كَطَارِقِ بْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مَعَ اللِّقَاءِ لَمْ يَسْمَعْ مِمَّنْ لَقِيَهُ إِلاَّ شَيْئًا يَسِيرًا. فَرِوَايَتُهُ عنه زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ مُرْسَلَةٌ.