كَرِوَايَاتِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ؛ فَإِنَّ الأَكْثَرِينَ نَفَوْا سَمَاعَهُ مِنْهُ، وَأَثْبَتَ أَحْمَدُ أَنَّهُ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ: رِوَايَاتُهُ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ لأنه سمع شيئًا ولم يسمع منه الأكثر. يعني: سمع منه شيئًا قليلًا.
إِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا، مِثْلَ نَعْيِهِ النُّعْمَانَ بْنَ مُقْرِنٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ عُثْمَانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلابِ وَذَبْحِ الْحَمَامِ، وَرِوَايَاتُهُ عَنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ مُرْسَلَةٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ابْنُ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ طَاوُسٍ وَلاَ حَرْفًا. وَيَقُولُ: رَأَيْت طَاوُسًا رآه ولم يسمع منه .. نفى عنه السماع.
{وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ أَيْضًا: الزُّهْرِيُّ لاَ يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ، رَآهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَرَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَأَثْبَتَ أَيْضًا دُخُولَ مَكْحُولٍ عَلَى وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ وَرُؤْيَتَهُ لَهُ وَمُشَافَهَتَهُ، وَأَنْكَرَ سَمَاعَهُ مِنْهُ} .
هذه كلها نصوص تدل على ماذا؟ أشبه ما يكون بأن الأمر متواتر تواترًا معنويًا.
وَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ، وَجَعَلَ رِوَايَاتِهِ عَنْهُ مُرْسَلَةً.
وَقَالَ أَحْمَدُ: أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، مِنْ أَيْنَ سَمِعَ مِنْهُ؟
وَمُرَادُهُ: مِنْ أَيْنَ صَحَّتْ رِوَايَتُهُ بِسَمَاعِهِ مِنْهُ، وَإِلاَّ فَإِمْكَانُ ذَلِكَ وَاحْتِمَالُهُ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ يعني: إذا حملناه على إمكان اللقي.
{وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ فِي أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ، هَذَا مَعَ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} ومع ذلك لم يسمع من عمر مع إمكان اللقي، إمكان اللقي هنا ثابت.
قال: {فَدَلَّ كَلامُ الإِمَامِ أحمد رحمه الله تعالى وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ عَلَى أَنَّ الاتِّصَالَ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ} .
الذي هو أخص من العلم باللقي، الذي هو أخص من إمكان اللقي، الذي هو أخص من المعاصرة.
يقول ابن رجب: وهذا القول يعني: {أَنَّ الاتِّصَالَ لا يَثْبُتُ إلاَّ بِثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ أَضْيَقُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيِّ} ولا شك.
{فَإِنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْهُمَا: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا السَّمَاعُ، وَإِمَّا اللِّقَاءُ} .
فإذا ثبت اللقاء اكتُفي به، وإن جاء السماع فهو زيادة خير.
{وَالإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ تَبِعَهُ: عِنْدَهُمْ لاَ بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ السَّمَاعِ} .
انظر .. تأمل .. تدبر. هذا خلافٌ بين المتقدمين في أجلِّ مسألة.
إذًا: ينهدم ما بناه المتأخرون ممن فرَّق بين المنهجين وأراد أن يهدم منهج المتأخرين.
قال: لا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ السَّمَاعِ.