{أَيْ: وَلَوْ كَانَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمًا جِنِّيًّا فِي الأَظْهَرِ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ لِيَدْخُلَ الْجِنُّ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَصِيبِينَ وَأَسْلَمُوا، وَهُمْ تِسْعَةٌ أَوْ سَبْعَةٌ مِنْ الْيَهُودِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (( إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ) )} .
وهذا فيه خلاف: الجن هل يصدق عليهم وصف الصحبة أم لا، ولو جنيًا في الأظهر، لكن لا ينبني عليه عمل. الصحابي البشري ينبني عليه؛ لأنه سينقل النص عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حينئذٍ هل تحقق فيه وصف الصحبة أم لا؟ إن تحقق فيه وصف الصحبة حينئذٍ صار السند متصلًا، وإن لم يتحقق فهو منقطع. فحينئذٍ ينبني عليه فائدة، ولذلك أكثر أهل العلم لم يتعرض لمسألة الجني. إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا .. إلى آخره، هل يصدق عليه وصف الصحبة أم لا؛ لأنه لا ثمرة لهذا الخلاف.
(وَلَوْ جِنِّيًّا فِي الْأَظْهَرِ) .
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ قُلْت: الأَوْلَى أَنَّهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّهُمْ لَقَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنُوا بِهِ وَأَسْلَمُوا، وَذَهَبُوا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} .
هذا تعريف الصحابي وهو تعريف جامع مانع.
ثم بيّن الحكم -حكم الصحابة- هل هم عدول أم لا؟
قال: (وَالصَّحَابَةُ عُدُولٌ) الصحابة (أل) للعموم، فتشمل كل صحابي ممن طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم أو لا، ممن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أو لا، ممن أدرك الفتنة أو لا .. اللفظ عام فيشمل حينئذٍ الحكم على جهة العموم (وَالصَّحَابَةُ عُدُولٌ) .
وهذا محل وفاق بين أهل السنة والجماعة. فلا خلاف في كون الصحابة عدول.
وينبني على هذا: أنه لا يُبحث في عدالته.
يعني: إذا ثبت أنه صحابي لا نبحث عمَّن زكاه، وننظر إلى اثنين من أهل العلم زكوا هذا الرجل.
نقول: لا. ما دام أنه ثبت له وصف الصحبة، فوصف الصحبة يستلزم العدالة.
وإنما البحث في: هل هو صحابيٌ أم لا؟ فإذا ثبت فحينئذٍ استلزم ذلك العدالة، وإلا فالنظر هنا إنما يكون في اتصاف ذلك الشخص بوصف الصحبة فإن ثبت فهو عدلٌ بإجماع أهل السنة والجماعة.
قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى {وَغَيْرُهُ: الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وَجُمْهُورُ الْخَلَفِ: أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ عُدُولٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ} .
يعني: أثنى عليهم، وذلك يستلزم أنهم عدول؛ لأن الله تعالى لا يثني على أحدٍ إلا إذا كان عدلًا، وأهلًا لذلك الثناء.
{وَقَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ وَغَيْرُهُ: الأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَلاَ يُعْتَدُّ بِخِلافِ مَنْ خَالَفَهُمْ} .
فالصحابة عدول، ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنهم.
وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مُقَدِّمَةِ الاسْتِيعَابِ إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
وَحَكَى فِيهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الإِجْمَاعَ.