هل يشترط العلم القطعي؟ الجواب: لا. لا يشترط، بل يكفي الظن في ذلك.
ولذلك كم من صحابي قد اختُلف في صحبته، والراجح أنه صحابي، ولا شك أن من اختُلف فيه أن العلم به لا يفيد العلم وإنما يفيد الظن فحسب.
ولذلك قال: {وَلاَ يُعْتَبَرُ عِلْمٌ بِثُبُوتِ الصُّحْبَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تُعْلَمْ صُحْبَتُهُ بِتَوَاتُرٍ أَوْ اشْتِهَارٍ} يعني: إما أن تُعرف بالتواتر وهو لا شك أنه مفيد للعلم.
ولذلك نقطع ونجزم بعلم ضروري أن أبا بكر من الصحابة، كذلك عمر وعثمان وعلي، لكن بعض الأعراب الذين جاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم ومشوا. هؤلاء شأنهم ليس كشأن أبي بكر وعمر وعثمان في إثبات الصحبة، ولا شك أن العلم يختلف.
إذًا: التواتر تثبُت به الصحبة، الشهرة والاستفاضة تثبُت به الصحبة.
ثالثًا: قد يكون ما دون ذلك مما يفيد الظن فتثبت به الصحبة.
قال: {خِلافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ} .
هنا جاء الذي ينبني على المسألة السابقة: (فَلَوْ قَالَ مُعَاصِرٌ) يعني للنبي صلى الله عليه وسلم في زمنه.
(عَدْلٌ: أَنَا صَحَابِيٌّ قُبِلَ) منه، لكن لا على جهة العلم وإنما على جهة الظن الراجح؛ لأنه وإن كان ثقة إلا أن خبر الثقة هذا محتمل، ليس مقطوعًا بصدقه وإنما هو محتملٌ للصدق والكذب.
وإن كان ثقة ترجَّح صدقه على كذبه، لكن لا نقطع بذلك.
(فَلَوْ قَالَ مُعَاصِرٌ عَدْلٌ: أَنَا صَحَابِيٌّ قُبِلَ) ذلك منه {عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْجُمْهُورِ: لأَنَّهُ ثِقَةٌ مَقْبُولُ الْقَوْلِ. فَقُبِلَ فِي ذَلِكَ كَرِوَايَتِهِ} .
{وَقِيلَ: لاَ يُقْبَلُ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الطُّوفِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ ابْنِ الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ} .
وما قدمه المصنف هو المعتمد: أنه يُقبل قوله لو قال: أنا صحابيٌ.
(لاَ تَابِعِيٌّ عَدْلٌ: فُلَانٌ صَحَابِيٌّ) وفرقٌ بين أن يقول: أنا صحابي. فحينئذٍ هذا معاصرٌ، وهو ثقة فقبل قوله.
أما التابعي فهذا لم يشهد العصر بدليل أنه تابعي؛ إذ لو شهد العصر كان صحابيًا، فإذا قال: فلانٌ صحابيٌ. نقول: نحتاج أن تكون في ذلك الزمن لتشهد هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ هل لقي النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ وحينئذٍ ثَم فاصل.
كون التابعي يقطع بأن فلانًا صحابيٌ نقول: هذا مرسل يحتاج إلى إثبات.
قال: {لاَ إِنْ قَالَ تَابِعِيٌّ عَدْلٌ: فُلانٌ صَحَابِيٌّ. فَإِنَّهُ لا يُقْبَلُ فِي الأَصَحِّ؛ لِكَوْنِهِمْ خَصُّوا ذَلِكَ بِالصَّحَابِيِّ} يعني: الخبر عن نفسه عَلَى مَا فِي الصَّحَابِيِّ مِنْ الْخِلاَفِ.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ: لاَ أَعْرِفُ فِيهِ نَقْلًا. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ: أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ؛ لأَنَّ ذَلِكَ مُرْسَلٌ لأنه أسقط شخصًا.
إلا إذا قال: أخبرني هو عن نفسه وكان ثقة، أما أن يَحكم عليه ابتداء بأنه صحابيٌ هذا يحتاج إلى نقل. يعني: ثم واسطة قد أسقطها التابعي بأن زيدًا من الناس هو صحابي.
ولذلك قال:
{لأَنَّ ذَلِكَ مُرْسَلٌ؛ لأَنَّهَا قَضِيَّةٌ لَمْ يَحْضُرْهَا} وهو كذلك.