(وَأَنَا تَابِعِيٌّ. قَالَ فِي الْأَصْلِ فَالظَّاهِرُ كَصَحَابِيٍّ) .
يعني: لو أخبر التابعي عن نفسه بأنه تابعيٌ وهو ثقة عدلٌ، حينئذٍ كما لو قال الصحابي المعاصر العدل: أنا صحابيٌ. فلا فرق بينهما.
فكما يُقبل شأن الصحابي إذا أخبر عن نفسه بأنه صحابي، كذلك يُخبر عن التابعي بأنه تابعي. وإذا قُبل الأول قُبل الثاني؛ لأنه أدنى منه.
{وَإِنْ قَالَ الْعَدْلُ أَنَا تَابِعِيٌّ، قَالَ فِي الأَصْلِ الَّذِي هُوَ التَّحْرِيرُ فَالظَّاهِرُ كَصَحَابِيٍّ يَعْنِي: أَنَّ الْعَدْلَ الْمَعَاصِرَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، لَوْ قَالَ: أَنَا تَابِعِيٌّ لِكَوْنِي لَقِيت بَعْضَ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ الْمَعَاصِرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا صَحَابِيٌّ؛ لأَنَّهُ ثِقَةٌ مَقْبُولُ الْقَوْلِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ كَرِوَايَتِهِ} .
قال: (فَصْلٌ: مُسْتَنَدُ صَّحَابِيِّ)
يعني: ما يستند عليه الصحابي في التعبير عن الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي العبارات وما هي الجمل التي تُذكر؟ لأن بعضها صريح وبعضها ليس بصريح، هنا الذي يأتي فيه البحث.
بعضها صريح يعني: لا يحتمل غير ما يدل عليه اللفظ من كونه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم. وبعضها محتمل.
قال: مُسْتَنَدُ الصَّحَابِيِّ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: لاَ خِلافَ فِيهِ بين أهل الحديث وغيرهم.
{لِكَوْنِهِ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لِصَرَاحَتِهِ} في السماع والتلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم {وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ} : (أَعْلَى مُسْتَنَدِ صَحَابِيٍّ: حَدَّثَنِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَيْته يَفْعَلُ وَنَحْوَهُمَا) .
لا شك أنه إن قال: حدثني، سمعت، أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم، حينئذٍ نقول: هذه أعلى درجات ما يُسنده الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لا تحتمل الواسطة البتة. لا يحتمل أن الصحابي أسقط شخصًا ثم قال: حدثني النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يعتبر كذبًا. كيف حدثه ولم يحدثه؟
قال: {أَعْلَى مُسْتَنَدِ صَحَابِيٍّ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا أَوْ أَخْبَرَنِي، أَوْ شَافَهَنِي وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا، وَرَأَيْته يَفْعَلُ كَذَا} رؤية بالبصر وهي نقلٌ.
وَنَحْوَهُمَا كَحَضَرْتُ أَوْ شَاهَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كَذَا، أَوْ يَفْعَلُ كَذَا.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَعْلَى النَّوْعَيْنِ؛ لِكَوْنِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا قَطْعًا بين الصحابي وبين النبي صلى الله عليه وسلم {قَطْعًا} يعني: مقطوعًا به. فلا يحتمل أن ثم واسطة البتة؛ لأنه ثبت أن الصحابة عدول.
ومن يبدل مثل هذه الجمل والعبارات فحينئذٍ يكون كاذبًا، وهذا ينافي ما تقرر ابتداء أن الصحابة عدول.
{النَّوْعُ الثَّانِي: مَا فِيهِ خِلافٌ؛ لِكَوْنِهِ يَحْتَمِلُ وُجُودَ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا} لأنه ليس بصريح.