{مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَشْكِيكٍ مُشَكِّكٍ لاَ بِتَقْدِيرِ الذَّاكِرِ إيَّاهُ, مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِمَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ. وَالظَّنُّ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ بِتَقْدِيرِهِ مَعَ كَوْنِهِ رَاجِحًا. وَالْوَهْمُ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَقْدِيرِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَرْجُوحًا. وَالشَّكُّ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ مَعَ تَسَاوِي طَرَفَيْهِ عِنْدَ الذَّاكِرِ} هذا ما يتعلق بهذه الأقسام.
{وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلاَمَ عَلَى الْعِلْمِ, وَكَانَ الْجَهْلُ ضِدًّا لَهُ} لأن الجهل ضد العلم، والعلم ضد الجهل.
{اسْتَطْرَدَ الْكَلاَمَ إلَى ذِكْرِهِ} وإلا لا داعي له، لكن: وبضدها تتبين الأشياء .. من باب الاستطراد.
{وَذَكَرَ مَا يَتَنَوَّعُ إلَيْهِ} قلنا: الجهل ضد العلم، والمصنف هنا قسمه إلى قسمين، وجعل لكل قسم منه حدًا يختص به، والصواب أنه يجمع في حد واحد، فيقال: انتفاء العلم بالمقصود، هذا أصح ما يعرف به الجهل: انتفاء العلم بالمقصود، أي: ما من شأنه أن يقصد، انتفاء العلم بالمقصود، المراد بالمقصود يعني: ما من شأنه أن يقصد، أما الذي لا يقصد فعدم العلم به لا يسمى جهلًا، يعني ما تحت الأرض .. تحت البساط الآن الذي تجلس عليه تجهله أم لا؟ تجهله، هل هو مقصود بالعلم؟ لا تتعلق به نفوس العقلاء، وإنما يكون جهله خير من العلم، وحينئذٍ نقول: هذا ليس مقصودًا، فعدم العلم به لا يسمى جهلًا. أي: ما من شأنه أن يقصد ليعلم بأن لم يُدرك أصلًا ويسمى الجهل البسيط، أو أُدرك على خلاف هيئته في الواقع ويسمى الجهل المركب، فشمل الحد النوعين: الجهل البسيط بأن لم يدرك أصلًا، والجهل المركب بأن أدرك على خلاف ما هو عليه؛ لأنه جهل بالمدرك بما هو في الواقع، وجهل بأنه جاهل كاعتقاد الفلاسفة قدم العالم.
وانتفاء العلم إنما يقال فيما من شأنه أن يُعلم، أليس كذلك؟ بخلاف عدم العلم، يعني الذي يعلم من هو؟ الجماد، عدم العلم لا يعلم؟ الجماد لا يعلم، لكن هل من شأنه العلم؟ الجواب: لا. هل من شأنه أن يتصف بالعلم؟ الجواب: لا، ولذلك لا تنفى الصفة إلا عن محل يمكن اتصافه به، هذا الأصل فيه، فلا يقال: الجدار لا يتكلم، الجدار لا يعلم؛ لأنك لا تنفي الوصف إلا عما إذا كان المحل قابلًا له، وأما إذا لم يكن فليس ثَمَّ داعٍ للنفي، بل ليس في لسان العرب ما يدل على صحة هذا التعبير، فلا يقال: الجدار لا يظلم، والجدار لا يتكلم، والجدار لا يأكل، والجدار لا ينام، لأن الجدار ليس قابلًا لهذه الصفات، وإنما تقول: زيد لا يتكلم أو لم يتكلم، لم يأكل، لم يشرب .. إلى آخره، لأنه قابل لأن يأكل ويشرب، هذا المراد به.
(وانتفاء العلم) إنما يقال فيما من شأنه أن يُعلم، بخلاف عدم العلم فلا يرد الجماد والبهيمة، وخرج بالمقصود ما لا يُقصد، كأسفل الأرض وما فيه، فلا يسمى انتفاء العلم به جهلًا.