وأي هذين المرجّح؟ هو ما مال إليه الصحابي أو فسّره به الصحابي.
قَالَ ابن أبي هريرة: أحمله عليهما معًا، فأجعل لهما الخيار في الحالين بالخبر.
قَالَ الماوردي: هذا صحيحٌ، لولا أن الإجماعَ منعقدٌ على أن المراد أحدهما.
(أَوْ قَالَهُ تَفْسِيرًَا) هذا قريبٌ مما سبق. يعني: قاله الصحابي تفسيرًا لمعنى الحديث، هذا يُعتبر عمدة كذلك، تفسيرًا للحديث؛ لأن التفسير أخص من المعنى اللغوي، التفسير قد يكون ببعض المدركات يعني: النظر في الأصول أو بحال الوقائع، أو بالنظر لحال النبي صلى الله عليه وسلم، أما مجرد المعنى اللغوي فهو أعم، إذا فسّره وحمله على أحد المحملين بالنظر إلى لسان العرب هذا أعم، وأما التفسير المراد به: إصابة ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا يؤخذ بالسياق .. الكلام السابق واللاحق، كذلك النظر في الوقائع.
قَالَ في شرح التحرير: واعلم أن الخلاف فيما إذا ذكر ذلك الراوي، لا بطريق التفسير للفظه، وإلا فتفسيره أولى بلا خلاف.
ومحل ذلك إذا كان الحمل أو التفسير على أحد معنييه الظاهرين، أو الظاهر منهما.
يعني: ما لم يخالف ظاهر النص، فإن خالف ظاهر النص فحينئذٍ ترجَّح أنه اجتهاد، وإذا ترجح أنه اجتهاد حينئذٍ لا يعارض به النص، فالنص مقدم.
ما سبق: فيما إذا كان موافقًا لظاهر الخبر، وما سيأتي من المسألة هذا فيما إذا كان منافيًا لظاهر الخبر.
قال هنا: {أما إذا حمله الصحابي بتفسيره، أو بأن المراد منه غير ظاهره، فإنه لاَ يُقبلُ منه ما يذكره على غير ظاهره} . لماذا؟ لأنه يحتمل أنه من باب الاجتهاد، وإذا كان من باب الاجتهاد حينئذٍ صار كإفتاء أبي هريرة بالثلاث في الغسل؛ لأنه مخالفٌ للنص.
فحينئذٍ يكون العمدة في النص.
قال: {لاَ يُقبلُ منه ما يذكره على غير ظاهره، كما إذا حمَل ما ظاهره الوجوب على الندب، أو بالعكس، أو ما هو حقيقة على المجاز .. ونحو ذلك، فإنه لا يُلتفت إلى قوله} .
(وَعُمِلَ بِالظَّاهِرِ وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً) .
يعني: عُمل بظاهر النص ولو كان قول الصحابي حجة، كما ذكرنا سابقًا: أن قول الصحابي هل حجة أو لا؟ لو قلنا بأنه حجة لا يُخصِّص، ولو قلنا بأنه حجة لا يقيِّد ولا يَنسَخ .. وإلى آخر ما يُذكر في ذلك.
{وعُمِل في ذلك بالظاهر ولو كانَ قولُه أي: قول الصحابي حجةً في غير هذه الصورة. وعلى العمل بالظاهر في هذه الصورة أكثرُ الفقهاء، ولهذا قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: كيف أترك الخبرَ لأقوالِ أقوامٍ لو عاصرتُهم لحَجَجْتُهُمْ} يعني الصحابة؛ لأنها فهوم، والفهوم تختلف.
{وقيل: يعملُ بقولِ الصحابي، ويُتْرك الظاهرُ} لا. هذا ليس الأمر كذلك، بل العمدة هو الخبر.
إن قال الصحابي بما يوافق ظاهر النص قُبِل، وإن قال بما يخالف ظاهر النص فلا يُقبَل.
قال رحمه الله تعالى: (وَلاَ يُرَدُّ خَبَرُهُ لِمُخَالَفَتِهِ مَا لاَ يَحْتَمِلُ تَأوِيْلًا) .
(وَلاَ يُرَدُّ خَبَرُهُ) يعني: خبر الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(لِمُخَالَفَتِهِ) مخالفة هذه الرواية.