(مَا لاَ يَحْتَمِلُ تَأوِيْلًا) يعني: {بسببِ مخالفتِه نَصًا، لاَ يحتمل التَّأويل في الأصحِّ عندنا} . يعني: الجمع بينهما لا يحتمل، والنظر فيه لا يحتمل. هل يُرد؟ نقول: لا يُرد.
(وَلاَ يُرَدُّ خَبَرُهُ) {أي: خبرُ الصَّحَابِيِّ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمخالفته} أي: هذا الخبر (مَا لاَ يَحْتَمِلُ تَأوِيْلًا) {بسببِ مخالفتِه نَصًا، لاَ يحتمل التَّأويل في الأصحِّ عندنا} .
وحينئذٍ يُطلب الترجيح، لمجرد المخالفة نقول: هذا مردود؟ نقول: لا. لا عبرة بهذا، وإنما يقال: صح الخبر، ثم ننظر في أنهما تعارضا: إما الجمع وإما النسخ.
وأما بمجرد عدم احتمال التأويل نرده؟ نقول: لا. ليس الأمر كذلك، بل متى ما صح السند قُبل.
قال: (وَلاَ يُنْسخُ) يعني: النصُّ.
وقالته الشافعية، لاحتمال نسيانه، ثم لو عُرِفَ ناسخُه لذَكَرَهُ، ورواه ولو مرَّةً، لئلا يكون كاتِمًا للعلم، كرواية أبي هريرة في غسل الولوغ سبعًا وقولِهِ: يغسل ثلاثًا.
وقالت الحنفية -وهو رواية عن أحمد-: لا يُعْمَل بالخبر.
وقال الآمدي: يتعين ظهورُ ناسخٍ عندهُ.
يعني: إذا روى خبرًا لا يحتمل التأويل قالوا: يحتمل أن يكون الصحابي عنده ناسخ ولم يروه! نقول: لا. هذا كتمانٌ للعلم، لا يجوز أن يُظن بالصحابي أنه ذكر المنسوخ ولم يذكر الناسخ، هذا بعيد.
ولذلك قال: وقد لاَ يكون ناسخًا عند غيره، فلا يُتْرَك النصُّ باحتمالٍ.
وخالفه ابن الحاجب، وقال: في العمل بالنص نظرٌ.
وقال إمام الحرمين وابن القشيري: إِنْ تحققنا نسيانَه للخبر، أو فرضنا مخالفتَه لخبرٍ لم يروه، وجوزنا أنه لم يبلُغْه فالعملُ بالخبر، أو روى خبرًا يقتضي رفعَ الحرج.
على كلٍ: العبرة بالخبر، فمتى ما ثبت بسند فالنظر يكون فيه على جهة الاستقلال.
ثم قال: (وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ خَالَفَ عَمَلَ أَكْثَرِ الْأُمَّةِ) قُبل ولا يُرد.
(أَوِ الْقِيَاسَ) خالف القياس، الأصل لا يوجد خبر يخالف القياس، لا وجود له البتة، لكن على فرض من فرض المسألة.
نقول: كذلك خبر الواحد مقدم مطلقًا على اجتهاد الصحابي كما مر، ومقدمٌ مطلقًا على خلاف كثير من الناس ولو كان أكثر الأمة.
وكذلك مقدمٌ على القياس؛ لأنه وحيٌ، وما عداه اجتهاد.
وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ خَالَفَ عَمَلَ أَكْثَرِ الأُمَّةِ أَوْ أَنَّهُ خَالَفَ الْقِيَاسَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ.
أَمَّا كَوْنُ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُقَدَّمًا عَلَى مَا عَلَيْهِ عَمَلُ أَكْثَرِ الأُمَّةِ: فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ مُقَدَّمًا مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ: فَلِنَصِّ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا وَالْكَرْخِيِّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالأَكْثَرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْلاَ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِرَأْيِنَا، وَبِرُجُوعِهِ إلَى تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، وَلِعَمَلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ.