لكن فيما اختُلف فيه .. صحَّح وضعَّف إلى آخره، لا يُطلق القول بالبدعية، وإنما يقال: هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هو حقيقة يصدق عليه أنه بدعة في الأصل.
إذًا: قول صاحب المغني هنا فيه نظر .. لا يُسلَّم له {الْفَضَائِلُ لاَ يُشْتَرَطُ لَهَا صِحَّةُ الْخَبَرِ} . لا، الصواب أنه يُشترط لها صحة الخبر، إلا إذا عنى الفضائل الأجور .. ما يترتب على العمل، أما إذا أراد به أصل العمل فلا.
قال: وَاسْتَحَبَّهَا جَمَاعَةٌ لَيْلَةَ الْعِيدِ. فَدَلَّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشِّعَارِ وَغَيْرِهِ. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لاَ يُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ وهذه أصح.
مدار الاعتقاد في العمل وفيما يترتب على العمل مداره على صحة الأثر. فإن صح قُبل وإلا فلا. هذا هو الصحيح والله أعلم.
قال: لاَ يُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ صَلاةَ التَّسْبِيحِ لِضَعْفِ خَبَرِهَا عِنْدَهُ، مَعَ أَنَّهُ خَبَرٌ مَشْهُورٌ عُمِلَ بِهِ وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الأَئِمَّةِ.
وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَيْضًا التَّيَمُّمَ بِضَرْبَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْهُ، مَعَ أَنَّ فِيهِ أَخْبَارًا وَآثَارًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ.
وهذا يعتمده كثير من أرباب المذاهب المتأخرة.
{قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُعْمَلُ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، لاَ فِي إثْبَاتِ مُسْتَحَبٍّ وَلاَ غَيْرِهِ} هذا قريب وإن كان ضعيفًا.
{قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ قَوْلِ أَحْمَدَ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ. قَالَ: الْعَمَلُ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ} . نعم، هذا إن قيل به .. يعني: لا يُسلم به، لكن لو قيل به فهو قريب.
{وَتَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ} .
يعني: النظر إلى الثواب والعقاب فقط، هذا الذي يُعنى به أن الحديث الضعيف تثبت به فضائل الأعمال .. لا الأعمال وإنما فضال الأعمال. من حيث الثواب والعقاب.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بِالإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَالْمَنَامَاتِ، وَكَلِمَاتِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي التَّيَمُّمِ بِضَرْبَتَيْنِ: وَالْعَمَلُ بِالضِّعَافِ إنَّمَا يَسُوغُ فِي عَمَلٍ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ. فَإِذَا رُغِّبَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ عُمِلَ بِهِ، أَمَّا إثْبَاتُ سُنَّةٍ فَلا.
وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ الضَّعِيفِ، كَابْنِ لَهِيعَةَ وَجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَابْنِ أَبِي مَرْيَمَ. فَيُقَالُ لَهُ. فَيَقُولُ: أَعْرِفُهُ أَعْتَبِرُ بِهِ، كَأَنِّي أَسْتَدِلُّ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ، لا أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْفَرَدَ.
الحاصل: أن الحديث الضعيف لا يُقبل مطلقًا، وإنما المدار في الاعتقاد في إثبات عملٍ أو في اعتقاد ثواب لا بد له من وحي.